الاستقرار القومي/الطائفي: من استعمار الوطن العربي للصحوات والعدوان ضد إيران،

عروبيات (حلقة 4)، عادل سماره

أكرر التأكيد على أنني لست مؤرخاً، ولا اهدف في كتابة هذه الحلقات القيام بتأريخ للعروبة ولا للإسلام، علماً بأنني  أعتمد التاريخ وأؤمن بمركزيته في أي بحث،  بل توضيح،  ما أمكن، لطغيان المسألة الطائفية من جهة والقومية من جهة ثانية على مختلف البلدان  الإسلامية التي خرجت على الخلافة العربية العباسية منذ البويهيين، وهنا أكاد أقول بان الشعوبية وجدت في الطائفية العربية في انقسامها إلى شيعة وسُنة مناخها الأفضل لامتطاء الطائفية وتدعيم الشعوبية كنواة أولية لقومياتهم وانفصالهم أو خروجهم على الخلافة وبالطبع، فالقومية لكل أمة حقها إنما اذكر هذا لتوضيح الصورة.

 أما الصراع التركي الفارسي منذ بداية القرن السادس عشر فقد أرسى هذا التمسك الطائفي والقومي في هذين البلدين الأمر الذي عزز الاستقطاب الطائفي الشيعي والسني في مختلف هذه البلدان بمن فيها البلدان العربية والإسلامية، بغض النظر عن اتخاذه حالة صراع مباشر أو هدوء نسبي هنا أو هناك. أي منذ بداية القرن السادس عشر حيث تم انتزاع الخلافة من العرب بشكل نهائي لتنتقل إلى مركزين، العثماني/التركي والفارسي/الإيراني رغم أن إيران لم تدعي الخلافة.

صحيح أن العثمانيين هزموا الصفويين في معركة جالديران 1514، ولكن هذا لم يُنهي الأمة الفارسية، بينما تركَّز الكابوس الاستعماري العثماني على معظم الوطن العربي من 1516 وحتى 1924. حيث، كما أشرنا في الحلقة السابقة، سلمت تركيا هذا الوطن لمختلف الدول الاستعمارية الأوروبية بريطانيا، فرنسا وحتى لاحقا إيطاليا وبشكل جزئي ومؤقت ألمانيا.

أما تركيا نفسها فقد حاول مصطفى كمال أتاتورك اقتلاع الإسلام منها سواء باللغة أو بالتوجه للأوربة، إلى العقدين الماضيين حيث عاد الإسلاميون الترك لاستلام السلطة ولكن بالتزام قومي اساساً، أما دينيا، فقد واصل الترك الجدد زعم الحق في الخلافة وبالطبع على أساس طائفي سُني وليس ديني إسلامي بلا طائفية.

لكن تركيا التي منحها الاستعمار الفرنسي لواء إسكندرون، لم تتوقف عن أطماعها القومية في سوريا بل وكل الوطن العربي، وأصبحت مع عضويتها في الأطلسي راس حربة عدوانية ضد الأمة العربية وليس حلف بغداد سوى أحد مشاريع تفتيت واغتصاب الوطن العربي باسم الإسلام.

 وبالطبع يوازي هذا احتلال إيران لمنطقة الأهواز كجزء من العراق. وهنا، لا أرى مبرراً في اللحظة للوقوف ضد إيران، ولا حتى على الحياد، مما يعني الوقوف مع العدوان الحالي ضدها لكن اذكر هذه الحقيقة لأنها حقيقة ولا يجوز ذكرها في موضع وإهمالها في آخر مما يربك الجيل الجديد من جهة ومما يجعل الصورة المقدمة إلية مكسورة تاريخيا مما يقود إلى وعي مشوه.

لا تنحصر مشكلة الاستقطاب السني الشيعي بين تركيا وإيران في الاستقطاب هذا نفسه، بل يتخذ حالة خطيرة وفي منتهى الرجعية لأن عدة دول إسلامية تكوَّن سكانها/رعاياها من خليط الطائفتين السنية والشيعية، ناهيك عن العرب المسيحيين وطبعاً تفرقهم هم أنفسهم طائفيا! وأكثر الدول التي تعاني من ازدواجية طائفية إسلامية هي لبنان، سوريا، العراق، إيران، باكستان.

على أن التطور الخطير في المستوى الاستقطابي الطائفي هو تراكبه أو تداخله مع المستوى القومي، فقوى الدينسياسي في هذه البلدان هي قوى قومية أي تُلحق الدين والطائفة بالقومية، بالأمة، باستثناء قوى الدينسياسي العربية المضادة للأمة العربية علانية. فلو انحصر الأمر في كون الطائفية مجرد طريقة في تأدية العبادة لكان الأمر مقبولا، ولكن تحول الطائفية إلى إيديولوجيا دينية تندغم قوميا وتنفي الآخر وتعاديه أوصل أتباع هاتين الطائفتين، وخاصة السنية إلى توليد الإرهاب الدينسياسي بدءاً بالقاعدة وصولا إلى داعش والنصرة وتحرير الشام…. الخ. وهنا تفرض المعترضة التالية نفسها على سياق التحليل، فالطائفي أبو محمد الجولاني الذي أوصلته الطائفيات السنية سواء العربية أو التركية لإسقاط الدولة السورية واحتلالها لم يلبث أن كشف عن انتماء صهيوني مدهش وعن عداء مدهش أيضا ضد حزب الله في لبنان. لكن ما يلفت وبالتالي يؤكد خيانته أيضا أنه بقي ضد العروبة وحتى ضد الوطن السوري نفسه حيث سلم للكيان بأن يخترق سوريا ما شاء له.! وليس زعمه أنه أموي سوى إمعان في تخدير البسطاء والعوام والسوقة والرعاع الذين قتلوا سوريا بقيادته.

في وباء المسألة الطائفية يمكننا القول بأن ما يسمى الصحوات السنية والشيعية منذ سبعينات القرن الماضي فإن، الوطن العربي وخاصة مشرقه يغوص في بحر من الغائط الطائفي سواء داخل القطر الواحد أو قطر وآخر.

لا أود توسيع الطرح ونقله إلى تفاصيل انتشار الوباء الطائفي وإن كان لا بد من إشارتين:

الأولى: أن الأنظمة السياسية عموما، ومثقفيها من قوى الدينسياسي تواصل الشحن الطائفي سواء بالفتاوى أو الفيديوهات أو الكتب…الخ حيث تنفي كل واحدة سرديات الأخرى مما ينتهي لتقوية موقفها وتبهيت الدين نفسه. وخطورة هذا في تبلوره في اقتتال طائفي سواء بالمتفجرات والانتحاريين…الخ.

والثانية: الموقف من المقاومة حيث تقف الأنظمة السنية ضد المقاومة وخاصة إذا كانت شيعية، بل وتدعم الأنظمة الخليجية بكل ما لديها أي طرف مضاد للعروبة وللمقاومة أي الإمبريالية والصهيونية، بل وتقف هذه الأنظمة ضد المقاومة العلمانية الوطنية والإسلامية من أهل السنة!

وبالمقابل، تدعم إيران المقاومة بتعددها وإن كانت أكثر دعما للمقاومة الشيعية، إلا أن موقف النظام الإيراني يصب في المواجهة، وإن غير عسكرية إلا حين يتم العدوان ضد أراضيها، ضد الثلاثي الإمبريالي الصهيوني والصهيونية العربية.

وكما أشرنا في حلقات سابقة، فإن العدوان ضد إيران لا ينفصل عن تداعيات طوفان الأقصى حيث شعر الكيان بنشوة الانتصار على أرضية الخذلان العربي والإسلامي والعالمي الرسمي على الأقل لفلسطين ولبنان، وبالتالي حاول، ولم يتوقف، مواصلة التدمير والاقتلاع وصولا إلى إيران. ولكن الصمود الإيراني، حتى حينه دفع الإمبريالية إلى البحث عن تجنيد طائفي إسلامي لا عروبي وضد إيران والذي وجد استجابة السعودية وتركيا وباكستان، هذا رغم الثرثرة وخاصة من الثعلب التركي وزير خارجية تركيا خاكان فيدان والذي كان مدير مخابرات تركيا وراس الحربة في التخطيط لتدمير سوريا، بأن هذا الحلف ليس ضد إيران وبالطبع لم يقل ابدا أنه ضد الكيان فما بالك ضد الإمبريالية! ولعل الصدفة قد خدمت هنا حيث قصف الكيان يوم 19 آب 2026 قاعدة جوية في إدلب/سوريا تحتلها تركيا واكتفت تركيا بالكلام! وهذا يعيدنا إلى حلف بغداد (منظمة المعاهدة المركزية لاحقاً) عند تأسيسه عام 1955 كلًا من: العراق، وتركيا، وبريطانيا (المملكة المتحدة)، وباكستان، وإيران، بينما شاركت الولايات المتحدة الأمريكية فيه بصفة مراقب. واليوم بعد المتغيرات يُضاف على تركيا وباكستان السعودية مما يؤكد أن الحلف ليس ضد الإمبريالية والصهيونية، وبعد ذلك يصبح المجال مفتوحا طبقا لما تخططه الإمبريالية الأمريكية، أي ضد اليمن، إيران، كافة قوى المقاومة ودائما ضد العروبة وفلسطين.

لعل خلاصة الحلقات السابقة تتمثل في أمرين:

الأول: مختلف الدول المنفصلة عن العباسية تمسكت بطابعها القومي والطائفي وواصلت العداء للقومية العربية باسم الإسلام الذي غادرته إلى الإيديولوجيا الطائفية وحتى اليوم! بحجة أمة ودولة الإسلام والتي لم يحققوا شيئا منها فيما بينهم أو بين بعضهم!

لعل مواقفهم هذه تؤكد أن دولة لأمة إسلامية غير واقعي ولكن لتبرير خبثهم يواصلون رد سبب الفشل إلى القومية العربية بل الأصح العروبة تمسكهم بقومياتهم ويواصلون تغطية مواقفهم بهجومهم على الأمة العربية وكأن العرب، وليسوا هم، الذين انشقوا عن الخلافة قوميا ودعموا ذلك طائفيا بل هم الذين فككوا الإمبراطورية العربية الإسلامية. ثم تصبح إقامة دولة “الأمة” الإسلامية واجب العرب المستحيل سواء لأنه غير واقعي ولأن غير العرب جميعا غدوا أمما قومية مستقلة وسعيدة بذلك. هذا دون أن نفصِّل هنا بأن اية دولة دينية سواء إسلامية أو غير ذلك لا تنسجم مع روح العصر ولا تخدم سوى الكيان الصهيوني الذي يستغل هذه الترهات ليبرر أن اليهودية ليست مجرد دين فقط بل قومية.

والثاني: وهذا أمر ذو طابع جاري حالياً، وهو تفتت المثقفين العرب إلى فئات شتى، نذكر منها هنا وجود مثقفين عرباً يمحضون ولائهم لإيران بلا ضوابط مما يدفعهم خارج العروبة من جهة ومن جهة ثانية تولد عن ذلك مثقفين عرباً انتقلوا من الشيوعية إلى الشيعية.

وهكذا، تدفع العروبة أثماناً منذ رحيل الإمام علي ومعاوية والحسين ويزيد من جهة وأثمانا اساسها عيوب في التأسيس النظري من جهة ثانية والرهبة التي أحدثها التطبيع واستدخال الأنظمة العربية للهزيمة.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….