22/8/2026
قرأت حوار مصطفى الجمال مع سمير أمين بتمعن، في محاولة لفهم ما يقصده أمين بعبارة “رأسمالية الدولة” في وصف التجربة السوفييتية، للتمييز بينها وبين مجرد “الرأسمالية” بالمعنى الغربي، وسعياً إلى تطوير نقد ماركسي للتجربة السوفييتية من داخل الماركسية نفسها.
في الحقيقة، تحفظت للوهلة الأولى على وصف أمين للتجربة الستالينية والاتحاد السوفييتي، ربما بسبب ذلك النوع من رد الفعل التلقائي الذي يلبس البعض منا عند أي نقد للاتحاد السوفييتي، خصوصاً لدى جيل نشأ سياسياً وفكرياً في ظل الصراع بين المعسكرين، وكان يرى في الاتحاد السوفييتي قوة كبرى تقف في مواجهة الولايات المتحدة والإمبريالية الغربية. لكن قراءة بعض المصادر والنصوص المرتبطة بفكر أمين جعلتني أستوعب، إلى حد كبير، ما يريد أن يقوله.
والأهم أنني وجدت أن المسألة تستحق نقاشاً أوسع من مجرد السؤال عما إذا كان أمين محقاً في وصف الاتحاد السوفييتي بأنه شكل من أشكال “رأسمالية الدولة”. فالسؤال الأعمق هو: كيف يمكن أن ننتقد التجربة السوفييتية من دون أن ننتهي، بقصد أو من دون قصد، إلى إنكار ما مثلته تاريخياً وما حققته فعلياً؟
ماذا يعني “رأسمالية الدولة” عند سمير أمين؟
يبدو أن الفكرة الأساسية عند أمين هي أن إلغاء الملكية الخاصة للرأسماليين لا يعني بالضرورة إلغاء كل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها الرأسمالية.
في الرأسمالية الغربية التقليدية، يوجد رأسماليون خاصون يملكون المصانع والشركات ورأس المال، ويستخدمون العمال المأجورين من أجل إنتاج فائض وتراكم رأس المال.
أما في النموذج السوفييتي، فقد انتقلت ملكية معظم وسائل الإنتاج إلى الدولة. لكن من وجهة نظر أمين، بقيت عناصر أساسية من منطق الرأسمالية قائمة: العمال ظلوا يعملون مقابل أجر، والإنتاج ظل موجهاً إلى تحقيق النمو والتراكم، وتقسيم العمل بين من يقررون ومن ينفذون بقي قائماً، فيما أصبحت الدولة هي التي تقوم بالدور الذي كان يقوم به الرأسمالي الخاص في تنظيم الإنتاج وتوزيع الموارد.
الأهم من ذلك، في تحليل أمين، هو نشوء بيروقراطية حزبية وإدارية امتلكت سلطة فعلية على الاقتصاد والدولة، وتمكنت تدريجياً من تحويل سيطرتها الإدارية على الملكية العامة إلى امتيازات ومصالح خاصة.
ومن هنا يأتي تعبير “رأسمالية بلا رأسماليين”: قد تختفي الملكية الخاصة التقليدية، لكن إذا ظلت علاقات السيطرة داخل عملية الإنتاج، وإذا بقي العامل بعيداً عن القرار الفعلي في مكان العمل والدولة، فقد يستمر بعض منطق التراكم الرأسمالي في صورة مختلفة.
وهذه ليست فكرة اخترعها أمين وحده. فقد كانت فكرة “رأسمالية الدولة” جزءاً من سجالات ماركسية طويلة، استخدمتها تيارات مختلفة، وإن كان كل تيار يقصد بها شيئاً مختلفاً. كما أن الماويين، خصوصاً بعد الخلاف الصيني ـ السوفييتي، استخدموا مفهوم “الرأسمالية الاحتكارية للدولة” في نقدهم لما اعتبروه تحولاً “تحريفياً” داخل الاتحاد السوفييتي.
لكن هنا تبدأ المشكلة التي أراها في بعض القراءات المناهضة للتجربة السوفييتية.
النقد شيء، وإنكار التاريخ شيء آخر
من حق أي ماركسي أن يسأل: هل حققت الدولة السوفييتية انتقالاً فعلياً إلى الاشتراكية؟ وهل تحولت الملكية العامة إلى ملكية اجتماعية حقيقية؟ وهل كان العمال يملكون سلطة فعلية على عملية الإنتاج؟ وهل أدت مركزية الحزب والدولة إلى إلغاء الطبقات أم إلى إعادة إنتاج علاقات طبقية جديدة في صورة بيروقراطية؟
وهذه أسئلة مشروعة تماماً.
لكن الخطأ يبدأ عندما يتحول النقد النظري إلى موقف تاريخي يجعل الاتحاد السوفييتي يبدو وكأنه لم يكن سوى رأسمالية مقنّعة، أو عندما يصبح انهياره في عام 1991 الدليل النهائي على أن كل التجربة التي سبقته كانت وهماً.
هنا تحديداً أعتقد أن بعض الاتجاهات المناهضة للتجربة السوفييتية، من تروتسكي وبعض التيارات التروتسكية إلى قطاعات من الماوية وما تفرع عنها، وقعت في مشكلة منهجية: لقد ركزت على السؤال الداخلي ــ طبيعة الدولة وعلاقات الإنتاج والديمقراطية العمالية ــ إلى درجة جعلت البعد التاريخي والجيوسياسي للتجربة يكاد يختفي.
وهذا البعد لا يمكن تجاهله.
فالذي قام في روسيا بعد ثورة أكتوبر لم يكن مجرد تغيير في شكل ملكية المصانع، بل كان محاولة لبناء دولة حديثة في بلد متخلف اقتصادياً، محاصر خارجياً، ثم محكوم عليه بخوض صراعات عسكرية وسياسية متواصلة.
وخلال عقود قليلة، تحول الاتحاد السوفييتي من بلد زراعي متخلف إلى قوة صناعية وعسكرية وعلمية كبرى. وهذه الحقيقة لا يمكن إلغاؤها بمجرد القول إن النظام كان بيروقراطياً أو غير ديمقراطي.
الاتحاد السوفييتي وهزيمة النازية
الأمر أكثر وضوحاً عندما يتعلق بالحرب العالمية الثانية. فلا يمكن كتابة تاريخ القرن العشرين بصورة جدية من دون الاعتراف بأن الاتحاد السوفييتي تحمل العبء العسكري والبشري الأكبر في الحرب ضد ألمانيا النازية. وقد قدرت موسوعة الهولوكوست التابعة للمتحف الأميركي التذكاري للهولوكوست الخسائر السوفييتية العسكرية بنحو 8.67 مليون قتيل، إضافة إلى أكثر من 14 مليون قتيل مدني وفق تقديراتها. وهناك تقديرات تتجاوز ال26 مليون قتيل.
قد تختلف التقديرات بشأن الأرقام الدقيقة، لكن حجم الكارثة البشرية التي تحملها الاتحاد السوفييتي لا خلاف عليه.
الاتحاد السوفييتي لم يكن فقط دولة ذات نظام اقتصادي مختلف؛ كان القوة التي واجهت القسم الأكبر من آلة الحرب الألمانية على الجبهة الشرقية، ودفع ثمناً بشرياً ومادياً هائلاً في سبيل ذلك.
ولهذا، فإن أي نقد للتجربة السوفييتية يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن هذه التجربة أدت دوراً تاريخياً عالمياً لا يمكن محوه.
مناهضة الإمبريالية وحركات التحرر
الأمر نفسه ينطبق على العالم الثالث. بعد الحرب العالمية الثانية، دخل العالم مرحلة انهيار الاستعمار الأوروبي القديم. ووجدت عشرات الدول والحركات الوطنية نفسها أمام سؤال بالغ الصعوبة: كيف يمكن بناء دولة واقتصاد مستقلين في عالم تهيمن فيه القوى الرأسمالية الكبرى على المال والتكنولوجيا والأسواق والسلاح؟
هنا لعب الاتحاد السوفييتي دوراً مهماً، وإن اختلفت طبيعة هذا الدور من بلد إلى آخر.
فقد قدم السلاح والتدريب والدعم السياسي والاقتصادي لعدد من حركات التحرر والدول التي خرجت من الاستعمار، وفتح أمامها مجالاً للمناورة بعيداً عن الهيمنة الغربية. ولم يكن ذلك دائماً عملاً خيرياً أو خالياً من الحسابات الجيوسياسية، لكنه في المحصلة كان عاملاً مهماً في توسيع هامش الاستقلال لدى عدد كبير من دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وهنا أيضاً يصبح من الصعب قبول القراءة التي تتعامل مع الاتحاد السوفييتي باعتباره مجرد “رأسمالية دولة” بالمعنى نفسه الذي يمكن أن ينطبق على نظام رأسمالي غربي.
فحتى لو قبلنا المفهوم على المستوى الاقتصادي أو النظري، فإن الوظيفة التاريخية والسياسية للنظامين كانت مختلفة بصورة جذرية.
مصر نموذجاً
ولعل التجربة المصرية تقدم مثالاً بالغ الدلالة. بعد هزيمة 1967، تعرضت مصر لضغط عسكري إسرائيلي هائل، وبدأت إسرائيل في المرحلة الجديدة من حرب الاستنزاف تنفيذ غارات عميقة داخل الأراضي المصرية، بما في ذلك مناطق بعيدة عن قناة السويس.
في هذه الظروف، لجأت القاهرة إلى موسكو، وبدأ الاتحاد السوفييتي في تقديم دعم عسكري متزايد. وتؤكد وثائق وزارة الخارجية الأميركية أن الطيارين السوفييت شاركوا بصورة مباشرة في الدفاع الجوي المصري عام 1970. كما تشير المصادر التاريخية إلى إرسال وحدات صواريخ أرض ـ جو متقدمة وطائرات ميغ ـ21، وإلى ارتفاع الوجود العسكري السوفييتي في مصر بصورة كبيرة.
وتظهر إحدى الدراسات التاريخية أن الوجود السوفييتي في مصر عام 1970 شمل عشرات إلى مئات الطيارين، وآلاف الخبراء، وعشرات قواعد صواريخ سام ـ3، إضافة إلى طائرات ميغ ـ21.
بل إن التقديرات الأميركية تشير إلى أن الوحدات السوفييتية للدفاع الجوي والطيران ساعدت في الوصول إلى حالة من الجمود العسكري في حرب الاستنزاف، بعد أن كانت إسرائيل تتمتع بتفوق جوي واسع.
وهذا أمر يستحق التوقف عنده.
فحين نتحدث عن “وقوف الاتحاد السوفييتي في وجه الإمبريالية”، لا ينبغي أن يبقى التعبير مجرد شعار أيديولوجي. هناك وقائع ملموسة: أسلحة، طائرات، صواريخ، خبراء، طيارون، ومخاطر سياسية وعسكرية حقيقية تحملتها موسكو.
وفي حالة مصر تحديداً، لم يكن الأمر مجرد تسليم شحنات سلاح؛ فقد شارك الطيارون السوفييت فعلياً في الدفاع عن المجال الجوي المصري. وتشير وثائق أميركية معاصرة إلى أن إسرائيل كانت تعتبر مشاركة الطيارين السوفييت في الدفاع الجوي المصري ظاهرة جديدة ومهمة.
السد العالي وما وراء السلاح
لكن اختزال العلاقات المصرية ـ السوفييتية في الجانب العسكري سيكون خطأ آخر. فالتجربة ارتبطت أيضاً بمشروع التنمية الوطني في مصر، وكان السد العالي أحد أبرز رموزها.
فالسد لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل كان جزءاً من تصور أوسع لبناء اقتصاد وطني حديث، وتوسيع الرقعة الزراعية، وتوليد الكهرباء، والتحكم في مياه النيل، وتحرير التنمية المصرية من القيود التي كانت تفرضها القوى الاستعمارية.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى التجربة السوفييتية في سياق العالم الثالث.
فبالنسبة إلى بلد مثل مصر، لم تكن القضية مجرد اختيار بين «اشتراكية» و«رأسمالية». كانت هناك قضية أكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء قاعدة صناعية، وتوسيع التعليم، وتطوير الزراعة، وإنشاء بنية تحتية حديثة، وبناء جيش قادر على الدفاع عن الدولة، في ظل نظام دولي تهيمن عليه القوى الاستعمارية السابقة؟
في هذا السياق، كان الاتحاد السوفييتي شريكاً مختلفاً عن القوى الغربية، حتى لو لم يكن شريكاً مثالياً، وحتى لو كانت له مصالحه وحساباته الخاصة.
هل كان أمين يساوي بين السوفييت والولايات المتحدة؟
هنا أعتقد أن من الضروري إنصاف سمير أمين نفسه. أمين لم يكن يقول إن الاتحاد السوفييتي كان ببساطة نسخة من الولايات المتحدة، ولم يكن ينكر أن الثورة الروسية شكلت محاولة تاريخية للخروج من النظام الرأسمالي العالمي.
بل يرى أن التجربة السوفييتية أحدثت تحولاً عميقاً، وأن مركزية رأس المال في الدولة ألغت بعض القوانين الأساسية للرأسمالية التقليدية وأوجدت شكلاً جديداً من العلاقات الطبقية.
وفي كتابه عن روسيا والانتقال الطويل من الرأسمالية إلى الاشتراكية، يتعامل أمين مع الثورة البلشفية باعتبارها أول محاولة كبرى لبناء مجتمع ثوري حديث، ويربط فهم مسار روسيا بالصراع الطبقي وبالموقع الجيوسياسي للدولة الروسية.
إذن، نقد أمين ليس بالضرورة نفياً للتجربة، وإنما محاولة لفهم تناقضاتها.
وهذا هو الجزء الذي أراه الأكثر أهمية في الحوار.
أين كانت المشكلة إذن؟
بحسب هذا التحليل، المشكلة لم تكن في التأميم ذاته، ولا في بناء اقتصاد موجه، ولا في محاولة تحقيق الاستقلال عن السوق الرأسمالية العالمية.
المشكلة كانت في العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة أصبحت مالكة ومديرة ومخططة ومراقبة في الوقت نفسه. ومع غياب آليات ديمقراطية شعبية كافية، تحولت البيروقراطية الحزبية والإدارية إلى صاحبة القرار الفعلي.
وبمرور الوقت، أصبح هناك انفصال بين الملكية القانونية العامة والسيطرة الفعلية على الموارد.
وهنا يمكن فهم لماذا اعتبر أمين أن التجربة توقفت “في منتصف الطريق”.
فإذا كانت الاشتراكية تعني، في النهاية، أن المجتمع يسيطر بصورة ديمقراطية على فائضه وعلى عملية الإنتاج، فإن مجرد نقل الملكية من الرأسمالي الخاص إلى الدولة لا يحسم المسألة.
وهذه النقطة تفسر أيضاً لماذا رأى أمين أن جزءاً من البيروقراطية استطاع بعد الانهيار أن يتحول إلى طبقة رأسمالية خاصة، خصوصاً خلال الخصخصة في عهد غورباتشوف ويلتسين.
لكن ماذا عن تروتسكي والماوية؟
هنا يجب الحذر من وضع تروتسكي والماويين في خانة واحدة؛ فالخلافات بينهم عميقة، كما أن مفهوم “رأسمالية الدولة” نفسه لم يكن يعني الشيء ذاته لدى مختلف التيارات.
لكن هناك قاسماً مشتركاً في كثير من هذه القراءات: اعتبار الاتحاد السوفييتي قد انحرف عن المسار الاشتراكي الذي يفترض أن تقود إليه الثورة.
تروتسكي، مثلاً، لم يكن مناهضاً للثورة البلشفية أو للملكية العامة لوسائل الإنتاج؛ بل كان نقده موجهاً بصورة أساسية إلى صعود البيروقراطية واحتكارها السياسي.
أما الماويون، وخصوصاً بعد الخلاف الصيني ــ السوفييتي، فقد اعتبروا أن الاتحاد السوفييتي بعد ستالين دخل في مسار “تحريفي” أعاد إنتاج علاقات رأسمالية تحت غطاء اشتراكي.
وقد يكون لهذه الانتقادات وزن نظري وتاريخي كبير.
لكن الخطر هو أن يتحول هذا النقد إلى رواية تلغي التاريخ المادي للاتحاد السوفييتي.
فالقول إن الاتحاد السوفييتي لم يحقق الاشتراكية الكاملة شيء، والقول إنه لم يحقق شيئاً سوى “رأسمالية الدولة” شيء آخر تماماً.
الأول نقد قابل للنقاش. أما الثاني فيكاد يصبح إنكاراً للتاريخ.
لا تقديس ولا محو
ربما يكون الموقف الأكثر توازناً هو أن نتعامل مع الاتحاد السوفييتي بوصفه تجربة تاريخية متناقضة.
كانت فيه بيروقراطية وقمع وأخطاء اقتصادية وسياسية حقيقية.
لكن كانت فيه أيضاً عملية تصنيع هائلة، وتوسع غير مسبوق في التعليم والعلوم، وقدرة على بناء قاعدة صناعية وعسكرية، وهزيمة النازية، ومواجهة مباشرة أو غير مباشرة للإمبريالية، ودعم واسع لحركات التحرر الوطني، ومساعدة دول العالم الثالث على بناء قدراتها المستقلة.
ولا ينبغي أن يؤدي الاعتراف بالأولى إلى إنكار الثانية.
بل إن انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه يؤكد ضرورة هذا التفريق. فلو كان النظام مجرد “رأسمالية دولة” بالمعنى المبسط، لما كان الانتقال بعد عام 1991 إلى الخصخصة والرأسمالية الخاصة بهذا الحجم من الانقلاب التاريخي. لقد أظهر الانهيار أن هناك بنية اقتصادية واجتماعية مختلفة فعلاً، وأن تحويل الملكية العامة إلى ملكية خاصة كان عملية سياسية واقتصادية ضخمة وليست مجرد تغيير في إدارة الشركات.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً ليس: “هل كان الاتحاد السوفييتي اشتراكياً أم رأسمالياً؟” وكأننا أمام خيارين بسيطين.
السؤال الأهم هو: ما الذي أنجزته ثورة أكتوبر والدولة التي نشأت عنها؟ وأين نجحت؟ وأين أخفقت؟ ولماذا تحولت ملكية عامة ضخمة، بعد سبعة عقود، إلى ملكية خاصة في أيدي فئات محدودة؟
هذا السؤال أكثر فائدة من الحكم المسبق. فالتجربة السوفييتية لا تحتاج إلى التقديس، لكنها في الوقت نفسه لا تحتمل المحو.
وإذا كان سمير أمين محقاً في تنبيهنا إلى أن إلغاء الرأسماليين لا يعني بالضرورة إلغاء كل العلاقات الرأسمالية، فإننا بحاجة أيضاً إلى تذكير أنفسنا بأن اختزال الاتحاد السوفييتي في “رأسمالية الدولة” لا يفسر وحده لماذا استطاعت دولة خرجت من حرب أهلية وتخلف اقتصادي أن تتحول إلى قوة صناعية وعسكرية وعلمية هائلة، وأن تهزم النازية، وأن تواجه الولايات المتحدة لعقود، وأن تساعد دولاً وحركات في العالم الثالث على انتزاع قدر أكبر من الاستقلال الوطني.
لذلك، فإن النقد الماركسي الجاد للتجربة السوفييتية ينبغي أن يكون نقداً من داخل التاريخ، لا من خارجه؛ أي أن يعترف بتناقضاتها، لا أن ينتقي منها ما يثبت حكمه المسبق.
فالدرس الحقيقي من الاتحاد السوفييتي ربما لا يكمن في القول إنه كان “اشتراكياً كاملاً” أو “رأسمالياً مقنعاً”، وإنما في فهم المفارقة الكبرى التي جسدها: ثورة نجحت في كسر احتكار الرأسمالية العالمية، وبناء قوة صناعية كبرى، وهزيمة النازية، ودعم حركات التحرر، لكنها لم تنجح في حل العلاقة بين الدولة والمجتمع والسلطة والملكية حلاً يسمح لها بالانتقال من اشتراكية الدولة إلى اشتراكية المجتمع.
وهذه، في نهاية المطاف، قد تكون هي المسألة التي تجعل التجربة السوفييتية ما زالت تستحق الدراسة، لا بوصفها نموذجاً ينبغي استعادته كما هو، ولا بوصفها خطأً تاريخياً ينبغي شطبه، وإنما باعتبارها واحدة من أكبر التجارب الاجتماعية والسياسية في التاريخ الحديث، بما لها من إنجازات هائلة، وما عليها من تناقضات وإخفاقات هائلة أيضاً.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
