المغرب العربي: حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي (الحلقة الأولى)، سعيد كنيش

سعيد كنيش

مدينة تمارة، المغرب العربي

 4شتنبر2026

الحلقة الأولى

تقديم

إصدار البيان السياسي العام بعد انتهاء أشغال مؤتمر النهج الديمقراطي العمالي السادس المنعقد بالمغرب أيام 7/8/9 من شهر غشت بمدينة الرباط، يستدعي التقييم والنقد من موقع طبقي وقومي منحاز لا يدعي الحياد. فالنقد الماركسي هو الأداة الحاسمة للخروج من حالة عدم الوضوح في الفكر الثوري على الساحة المغربية والعربية، وأيضا في ظل غياب بناء الحزب الثوري وبناء تحالف الجبهة الشعبية كسببين مترابطين جدليا.

نظريا يفترض أن البيان هو تصريح مكثف لجميع المواقف والقضايا والأوراق التي اشتغل عليها المؤتمر، وعالجتها وحسمت أجهزته المقررة وحددت الموقف منها. لذلك من الموضوعي أن يعتبر مادة أولية للتقييم والنقد، نظرا لطبيعة المشروع السياسي والفكري الذي يحمله الحزب ويدعو له. مع التأكيد أن الممارسة الحزبية وخوض الصراع السياسي والفكري والتنظيمي على أرض الواقع هما الفيصل بين اللغة المعلقة في الشعار الملصق على الجدار والمضمون المنصهر والمسكوب في الواقع.

وأنا أعيد قراءة المقررات التي حسم المؤتمر فيها بهدف تكوين رأي موضوعي حول البيان العام وخلفياته النظرية والتحليلية؛ لا بد من تسجيل ملاحظة أولية حول انعدام الانسجام حد التناقض بين محتويات هذه المقررات، وغياب الخيط النظري الناظم بين مكوناته. بالرغم من الجهد الكبير في إعداد موضوعاته وتوسيعها مقارنة بالمؤتمرات السابقة. و أرى أن الازمة التنظيمية التي يعيشها الحزب وجمود بعض فروعه والافتقار إلى الأطر المكونة، والظروف الموضوعية لانعقاد المؤتمر ساهمت في هذه الحصيلة.

حول منهجية التحليل

منهجيا يقوم التحليل الماركسي على تناول العالم كوحدة وأجزاء معا في ترابطهما، لكنه ترابط وحدة وصراع الاضداد في الفكر والمجتمع بشكل خاص؛ لأن النظام الرأسمالي العالمي هو المسيطر فوق هذه المعمورة، ويشكل كمستوى الدائرة الكبرى، وهذا يستدعي ثلاثة محددات:

الأولى: أن المنظومة الدولية طبيعتها رأسمالية معولمة ، تشكل وحدة تحليلية واحدة، يتوجب التفكير بأحداثها بشكل مترابط ومتبادل التأثير. وبالتالي فكل حدث محلي هو بالضرورة إقليمي ودولي، والعكس صحيح، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات والخصوصيات.

كما أن مجرى التطور التاريخي للنظام الرأسمالي العالمي، لم ينتج انسجاما بين أجزائه. بل الذي حدث هو عكس السائد في الماركسية الكلاسيكية؛ وذلك انطلاقا من قانون “التطور غير المتكافئ”. فقد نتج في مجرى التطور الرأسمالي العالمي مركزا مهيمنا (أوربا وأمريكا الشمالية واليابان) وأطرافا محيطة تابعة وخاضعة هي بلدان وشعوب الجنوب.  عمل المركز الامبريالي على نهبها وتكريس تبعيتها وتخلفها وتشويه مجتمعاتها.

 الثانية: أن الهيمنة الرأسمالية الغربية متأصلة ومتجذرة في التشكيلة التاريخية للنظام الرأسمالي العالمي منذ القرن الخامس عشر وما تلاه، وذلك انطلاقا من قانون “فائض القيمة التاريخي” المنهوب من المستعمرات، سواء على شكل فوائض مباشرة بالاستغلال المزدوج لليد العاملة أو من التبادل غير المتكافئ أو سرقة الثروات مباشرة. وقد قام بتحليله والبرهنة عليه المفكر الماركسي العروبي أنور عبد المالك، انطلاقا من التطوير الخلاق للأعمال الأولى لماركس المسماة “بالتراكم البدائي” في الجزء الأول من كتاب رأس المال.

معناه أن دراسة التاريخ الفعلي لخمس قرون من نشأة وتطور النظام الرأسمالي العالمي، تؤكد أن أوربا الغربية وأروبا الجديدة / أمريكا الشمالية واليابان (ثالوث الامبريالية)، لم يكن بإمكانها أن تنهض وتقوم بتركيز الثروة والتراكم، وثورتها الصناعية والتكنولوجيا وهي أساس تنميتها وهيمنتها؛ بالاعتماد فقط على إمكانياتها الذاتية، أو فقط من خلال فائض القيمة المستغل مباشرة من قوة العمل في المراكز.

إن التقاطب بين مركز امبريالي ومحيط تابع ومتخلف ومستهدف بالعدوان والنهب والتفتيت، لا يلغي أو يغيب دور الصراع الطبقي والتحالفات الطبقية الرئيسية بين قطبيه:

– التحالف بين البورجوازية وشركاتها الاحتكارية في المركز الامبريالي وبين طبقة الكومبرادور والطبقات التابعة القائمة على تنفيذ الأوامر والاختيارات. وهو التحالف الذي يدير الحروب الاستعمارية والصهيونية لتكريس التبعية.

– التحالف بين الطبقات الشعبية في الجنوب من أجل التحرر وتقرير المصير والاستقلال الاقتصادي والسياسي والثقافي والتنمية من جهة، ومع الطبقات الشعبية العاملة في البلدان الرأسمالية من جهة تانية لتقويض سلطة البورجوازية وبناء الاشتراكية. وهي المهمة المطلوبة عوض الجري وراء الاستقرار الاجتماعي ودولة الرفاهية، أو السير وراء دعم أنظمتها وحكوماتها وشركاتها الاحتكارية لنهب ثروات بلدان وشعوب الجنوب. ولا بد من الوقوف ضد اقتصاد العسكرة والحروب العدوانية التي تشعلها حكوماتها، باسم الدفاع عن مصالحها القومية/ الاستعمارية والاستيطانية، أو تحت مسمى تصدير الديمقراطية وحقوق الانسان. وهو الأساس المتين لبناء أممية الشعوب وتضامنها.

الثالثة: تحديد الخندق الذي ننتمي إليه تحديدا صحيحا من منطلق مصالح شعوبنا، وهو من يحدد أيضا مواقفنا من الصراعات الدولية الدائرة. أعني بالخندق الموقع الطبقي والقومي، وبدون مواربة هو خندق الطبقات الشعبية العربية التي تشكل الاكثرية في الوطن العربي، المنتمية لبلدان الجنوب وشعوبه المضطهدة والمستغلة، وتشكل مجتمعة على مستوى التحليل بالدائرة الثانية. وهذا الانتماء مؤسس على:

  • أن الوطن العربي وشعوبه العربية المضطهدة يشكل وحدة ونقطة الارتكاز الرئيسية وموضوع التحليل والهدف المطلوب إنجازه في هذه الحقبة من المواجهة التاريخية مع الامبريالية والصهيونية والرجعيات العربية؛ وليس المغرب كبلد منعزل عن محيطه العربي القومي؛ وذلك في إطار مشروع استنهاض وبناء وحدة حركات التحرر الوطني العربية وصولا إلى الدولة العربية المركزية أو الفيدرالية بأفق اشتراكي. التأكيد على العروبة وحدة ونقطة الارتكاز باعتبارها هوية جامعة لكل المكونات الأصيلة، دون القفز على حالة الانقسام الموضوعية بين البلدان العربية وعوامل التفتيت داخل كل بلد والأزمات الخاصة والداخلية…إلخ.
  • كما أن جغرافية الوطن العربي تشكل سواء في التاريخ أو الحاضر وحدة إقليمية رغم التقسيم والبلقنة، ظلت دائمة الاستهداف المتواصل من طرف العدوان العسكري الامبريالي الغربي والصهيوني والأنظمة العربية الرجعية (التحالف الثلاثي). هذا الاستهداف أوصل الوطن العربي إلى الاحتلال وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين بهدف الاخضاع والتشظي والتخلف والتبعية وفقدان السيادة. وأصبحت شعوبه في حالة من الانحطاط الاجتماعي والثقافي، منكشفة ومستباحة أمام الضخ الثقافي والإعلامي الامبريالي والصهيوني؛ وذلك عبر الاستخدام لأدواتها المحلية، من القوى الرجعية والطائفية والمذهبية وقوى الدين السياسي الإرهابي والتكفيري، وللتيارات الانعزالية الشوفينية، والمثقفين والإعلاميين الوكلاء الجدد للاستعمار.

الاستفاضة في التقديم المنهجي أمر ضروري، لأن المنهج ليس مسألة شكلية فهو يدخل في صميم بناء التحليل الماركسي، لأنه ما يحدد التوجه وسلامة وسداد الموقف. لذلك سنرى كيف أن البيان العام السياسي موضوع النقد، وهو يستعرض نزولا من الوضع العام الدولي إلى الوضع المحلي، قد تخطى هذه المحددات الثلاث. والأهم أنه قد اختار تخطى نقطة الارتكاز الرئيسية، وموضوع التحليل والهدف المطلوب إنجازه في هذه المرحلة من المواجهة التاريخية مع الامبريالية والصهيونية والرجعيات العربية؛ وذلك عندما أسقط أصحاب البيان تماما قضية العروبة، وتعني وعي الأمة لوجودها ومصلحتها في تحرير الوطن العربي ووحدته، بما أنه هو المستهدف بكل مكوناته الثقافية والاثنية والقومية. مما يتطلب ربط النضال التحرري للطبقات الشعبية المغربية و تمفصله مع نضال حركات التحرر الوطني في البلدان العربية وفي مقدمتها بلدان المغرب العربي الكبير.

فكيف تم هذا الاسقاط الاختياري وما هي دوافعه ونتائجه، وكيف جرى الاستعاضة عنه في البيان السياسي العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي السادس؟

مساهمتي النقدية سوف تتركز جوابا على هذين السؤالين المترابطين، كما أعتبر أن مجمل المواقف من القضايا الدولية والإقليمية والمحلية ومسألة التحالفات والمهام والالتزامات الواردة في البيان العام، قد أخضعت لهذا الاختيار، وترتبط به من حيث التصور الفكري والسياسي والبرنامج كتحصيل حاصل. ويجب التأكيد امام المهتم، أن معظم القضايا المثارة في هذه المساهمة مرتبطة بقضايا التأسيس لمشروع ماركسي تحرري عروبي وحدوي بأفق اشتراكي، أما بعض التفاصيل فتم تناولها عرضا.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….