إفلاس المقاومة وقرويات حلقة (1): هي ليست ثورة، وأنت إما ناقداً أو نقودياً، د. عادل سماره

لست أدري بعد هل يُخلق شخص ما ناقدا بالطبيعة، بالبنية الذهنية، بالنفسية، بالثقافة أم أن الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، أي الواقع المادي، هو الذي يتحدى المرء بخيارين:

• إما ضمن التيار السائد

• أو إذا وجد التيار السائد غير مقنع فيقف ضده.

في الحالة الثانية يلقبونه “حامل السُلَّم بالعرض” هكذا عنون أحدهم مقابلة معي في مجلة الهدف، ولكن الحقيقة، أن المرء المعني يتصدى ناقدا للخلل، ولا ينحني طالباً للنقود.

الخبثاء والكذابون والمستفيدون من التيار السائد يعتقدون أن من ينتقد المرحلة شخص متمتع بذلك. هم لا يفهمون أن الناقد يعيش حوارا وأحيانا صراعا مع نفسه بمعنى هل يركع (ينِخْ) لما هو قائم وبالتالي ينهار داخله، أم يقاوم.

ضمن هذا التصور كانت مسيرة حياتي، لذا، رغم أنني، كما أزعم قدمت خدمات لمختلف القوى أي الفصائل الوطنية بالطبع، طبعا بدرجات وأنواع وحتى كوني وطنيا وعروبيا، كأي وطني وعروبي، فهذا أفاد كل تنظيم وطني.

ولكن، لأنني انتقدت وأنتقد كل ما رأيته انحرافا، تزييفا مساومة تطبيعاً…الخ، أنكر جميع من قدمت لهم خدمات وهاجموني ليس لأنني لست على حق، بل لأن لدى كل منهم “أنا” متضخمة لا تقبل أي نقد حتى لو صحيحا بالمطلق، وهذا الفهم للذات هو البذرة الشيطانية للديكتاتورية بغض النظر عن حجم الشخص أو التنظيم.

لم أعبئ ابدا بغضب هذا او ذاك، ودفعت ثمن ذلك وحتى حينه، ومع ذلك لم تضطرب حياتي لا ماديا ولا نفسيا بل رضيت عن نفسي وتوصلت للعبارة التالية:

“إياك أن تكن كمن حينما يضطجع على الفراش في لحظة ما قبل النوم فينزع/يفك وجهه، فينظر فيه ويبصق عليه قائلاً له “كنت اليوم وغداً”.

ولأنني كتبت في نقد السياسة كثيراً وفي كتب ومقالات وبالعربية والإنجليزية، ستكون معظم حلقات هذه السلسلة في تحليل نفسية الريفيين.

ولكن لا بد من تمهيد موجز هنا.

لا توجد ثورة:

من يراجع أو يقرأ ما يتم إجتراره يوميا من أدبيات الفصائل والمثقفين/ات الفلسطينيين والعرب وحتى العالم يضج راسه بمضغ كلمة ثورة.

لم نصل مرحلة ولا مستوى الثورة أبدا. أي منذ 1919 وحتى اللحظة نعيش حركة مقاومة لا أكثر ولا أعلى. وحبذا لو يتواضع من يكتبون ويقللوا هذا التضخيم والانتفاخ.

أولاً: فالثورة هي تغيير جذري في الثقافة والسلوك والعلاقات الاجتماعية، ولعل من أسباب عدم تغيير العلاقات هو كونها نتاجا لقوى الإنتاج، والتي هي مشوهة في بلادنا إن لم تكن معدومة. وكما يرى الجميع، تتفلَّت من المجتمع اقتتالات عشائرية حتى في المدن، تسريب أراضي، تطبيع، لجوء عضو التنظيم إلى الحامولة وقد يكون شيخ الحامولة عميلا أو بائع أرض…الخ. ووصول أكثرية الريفيين إلى الشعور بالأمان في العشيرة وليس في الموقف السياسي والقوى الوطنية.

ومقابل هذا هناك مناضلين اشداء بتضحيات اسطورية. ولكن طالما لم يقضي الموقف الفدائي على التشوهات أعلاه، فهذه ليست ثورة.

ثانياً: الثورات، ولكي تنجز البند الأول لا بد أن تبني جبهة وطنية، وهذا لم يحصل وبقصد. لذا كل فصيل مصاب بالروح الحلقية (التحلُّق) على الذات وكأنه مجتمع خاص في مكان منعزل. وبالطبع يؤله الزعيم أو القائد بتعبير الفلسطينيين، مع أن الزعيم هو الوطن. انتصرت ثورات الصين وكوريا الشيوعية، وكوبا وفيتنام وطبعا الجزائر وجنوب اليمن بجبهات وطنية. ونحن لم ننتصر، والأسوأ أننا حتى الان لا نقول للجيل القادم: “حاولنا بإخلاص ولكن لم ننجز الهدف، هزمنا في معارك ولكن لم نستسلم” طبعا، هذا الاعتراف أنا أتبناه ولكنه لا يشمل الذين لم يناضلوا بإخلاص بل استسلموا. واليوم بدل اتفاق الجميع على موقف: إما مقاطعة الانتخابات أو تشكيل كتلة من الجميع يشتبك الجميع بالجميع! طبعا، أنا مجرد مواطن عادي ضد انتخابات تحت الاحتلال.

ثالثاً: لغياب جبهة وطنية، طالما اقتتلت الفصائل حتى بالسلاح، من بيروت وحتى غزة،

رابعا: حتى على الصعيد المجتمعي، لدينا نقابة لكل فصيل، واتحاد طلبة لكل فصيل، واتحاد ومرأة لكل فصيل!!!

خامساً وأخيرا: تم اختراقنا بالمال المسموم، بداية تمويل الخليج الذي هو كيانات خلقتها بريطانيا وسلمتها لابنتها الدموية أمريكا! فكيف يمكن أن تسمح أمريكا لخليج النفط ان يمول منظمات تهدف تحرير فلسطين. ثم أتى التمويل الدولي وخاصة بعد اوسلو سواء من الدول أو المنظمات غير الحكومية الغربية NGOs صغت لها مصطلح “الأنجزة” لدرجة أننا لدينا فصيل من توليد الأنجزة!!! واليوم يعتاش الكثير من عشاق المال من أنجزة غربية وأنجزة خليجية!

سادساً وأخيرا وليس آخراً: في غياب أي مشروع لمنظمة التحرير بل هي منظمات التحرير لفك الارتباط باقتصاد الكيان ولو بالحد الأدنى قبل أوسلو وبعد أوسلو، تكونت شرائح طبقية انتفخ وضعها من العمل والسمسرة في القطاع الأسود في اقتصاد الاحتلال وهذا خلق تشوهات نفسية مهولة، فكلما زادت ثروة هذا يزداد معها تخليه عن الروابط الاجتماعية بالأخرين حتى عن الشهامة. اذكر مثالا على هذا. قال لي صديق كان يدرس في الإتحاد السوفييتي قال: في جلسة طلبة عرب قال طالب عراقي وقد أخذت منه بنت الحان ما أخذت: “شِنو البشر؟/أي احمد حسن البكر رئيس العراق حينها، آني أحسن من البشر، صاحبتي معي والكاس معي وأتعلّم طب ببلاش …الخ”.

أكتفي بهذا، كي أنتقل لاحقاً في حلقات قراءة للحالة العينية أي القرية.

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….