قبل أن يدخل كارل ماركس مسرح التاريخ بأكثر من نصف قرن، كان جان ميلييه، الكاهن المحليّ لأبرشية ريفية فرنسية، يعيد تفسير البؤس بوصفه نتيجة علاقات اجتماعية صنعها البشر ويملكون القدرة على تغييرها، وينقّب خلف المواعظ والطقوس الدينية عن المصالح الدنيوية التي تخدمها، ثم يضع أحد أكثر النصوص المادية والسياسية جرأة في أوروبا مطلع القرن الثامن عشر، جامعاً ثالوث المُلكية الخاصة والحكم الملكيّ والكنيسة داخل بنية هيمنة واحدة، تنتج ثراءً للمتنفذين والنبلاء، وفاقة للفلاحين والفقراء.

ولد ميلييه سنة 1664، وتولى رعاية أبرشية إيتريبيني في إقليم الأردين طوال أربعة عقود، فكان يؤدي واجباته الرسميّة الدينية أمام أبناء القرية، بينما يكتب سراً مخطوطاً ضخماً يهدم أسس العقيدة التي يمثلها ويهاجم النظام الذي يوفّر له موقعه الاجتماعي. منحته حياته المزدوجة معرفة دقيقة بعمل المؤسسة الدينية، فيما تشكل وعيه السياسي من معايشة الفلاحين الذين ينتجون الثروة وتنتقل ثمار عملهم إلى ملاك الأرض ورجال الكنيسة وجباة الملك.
لقد أدرك أن المجتمع الإقطاعي يعتمد على العنف المؤسس والقانون والضريبة، وبالقدر نفسه على تفسير أخلاقي يجعل تراتبية البشر مقبولة في وعي الخاضعين، فكانت الكنيسة تمنح الملك سلطةً مقدسةً كظلّ لله في الأرض، وتقدم طاعة السيد الإقطاعي بوصفها فريضةً، وتربط الفقر والصبر بالفضيلة، ثم تنقل رجاء الفلاح في الإنصاف إلى حياة أخرى متخيلة، ليتحوّل الدين إلى قوة مادية تدير المجتمع: تنظم سلوك الأفراد، وتعيد توجيه غضبهم، وتحمي توزيع الثروة والأوضاع القائمة بقوة ضمير المؤمن نفسه.
بلغ نقده ذروته عند تناوله الملكية الخاصة، التي رأى فيها مصدراً للتفاوت ووسيلة تتيح لفئة الاستحواذ على نتاج عمل فئة أخرى، فدعا إلى الحيازة المشتركة للثروة وإلى تعاون المنتجين في العمل، كما خاطب الفلاحين بوصفهم قوةً قادرة على التوحد وانتزاع خيراتها من أصحاب الامتياز، مقدماً بذلك صيغة مبكرة لشيوعية زراعية خرجت من تجربة القرية الإقطاعية قبل ظهور المصنع الحديث والطبقة العاملة الصناعية.
«ماركسي قبل ماركس» استعارة تضيء جانباً من ميلييه أكثر مما تقدم تعريفاً مكتملاً له، فقد كشف الصلة بين الأفكار ومصالح القوى المسيطرة، وربط الهيمنة الدينية باستغلال العمل، بينما جاءت الماركسية في القرن التاسع عشر محملة بأدوات تحليلية لنمط الإنتاج الرأسمالي والتراكم وفائض القيمة والصراع الطبقي، وهي مفاهيم نشأت في عالم المصانع والأسواق الحديثة، خارج الأفق الاقتصادي الذي عرفه كاهن الأردين.
بعد وفاته الغامضة سنة 1729، تناقلت دوائر القراءة السرية نسخ مخطوطه إلى أن أصدر فولتير عام 1762 كتيباً بعنوان «مستخلص من آراء جان ميلييه»، الذي كان أقرب إلى عملية اختطاف فكري صريحة حُذف فيها أكثر من ثلاثة أرباع النص الأصلي المليء بالتحليلات المادية العميقة ونقد هياكل السلطة، وأعيد توجيهه نحو نقد خرافات الكنيسة وفساد رجال الدين حصراً، فيما حُجب جانب كبير من ماديته الملحدة، كما كل الفقرات التي تحرّض الفلاحين على الإضراب عن دفع الضرائب، وعصيان الأسياد، وتأسيس مجتمعات تعاونية تدير ثرواتها وتشترك في جني محاصيلها، ليعاد ترسيم الكاهن الثوري في النسخة الفولتيرية المزوّرة صاحب نزعة إصلاحية ناعمة تناسب مزاج صالونات مثقفي باريس التنويرية وتبتعد عن تهديد النظام الاجتماعي الذي تستند إليه امتيازات النخب الفاسدة.

ظلّت نصوصه حبيسة ذلك «التنوير» الانتقائي طوال مئة عام، ولم تتكرس صورته المكتملة كمنظّر مبكر للشيوعية المادية إلا حين تجرأ مفكرون أكثر راديكالية في أمستردام على نشرها كاملة ضمن ثلاث مجلدات (1864) حررها رودولف شارل، لتكتشف التيارات الاشتراكية والمادية مفكراً سبقها إلى الجمع بين تحرير الوعي وتحرير الثروة. اكتسب هذا الاعتراف طابعاً رمزياً سنة 1918، حين نُقش اسم ميلييه على مسلّة حديقة ألكسندر بجوار الكرملين في موسكو ضمن تسعة عشر اسماً اختارها البلاشفة الروس كرواد في تاريخ تحرّر العمال، ليخرج كاهن القرية من سجن تزوير التنوير لأفكاره، ويأخذ مكانه المستحق بين أسلاف النقد الاجتماعي الحديث.
:::::
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط التالي:
https://substack.com/@counterculture68
المصدر: “الأخبار”، 12 أيلول 2026
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.