تحليل إخباري l بعد 25 عاماً على 11 سبتمبر.. أميركا التي لم تستطع الخروج من الحرب، سعيد عريقات

واشنطن، 11/9/2026

بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لم تعد الولايات المتحدة تعيش فقط مع ذكرى ذلك الصباح الذي قتل فيه نحو ثلاثة آلاف شخص، وإنما لا تزال تعيش داخل المنظومة السياسية والعسكرية والنفسية التي ولّدتها الهجمات. فقد شكّل 11 سبتمبر نقطة تحول عميقة في علاقة المواطن بالدولة، وفي مفهوم الأمن القومي، وفي حدود السلطة التنفيذية، وفي مكانة الحريات المدنية، كما فتح الباب أمام حروب امتدت من أفغانستان والعراق إلى سوريا واليمن والصومال وليبيا، وتحوّل معها “الحرب على الإرهاب” من استجابة استثنائية إلى عقيدة أمنية شبه دائمة.

ولهذا، فإن السؤال في الذكرى الخامسة والعشرين لا يتعلق فقط بما حدث في 11 سبتمبر، وإنما بما أصبحت عليه أميركا بعده: هل جعلتها سياسات ربع القرن الماضي أكثر أمناً؟ وهل حافظت في الوقت نفسه على الحريات والقيم التي قالت إنها تخوض الحروب دفاعاً عنها؟

من صدمة الهجمات إلى الحرب المفتوحة

كان الرد الأميركي الأول على الهجمات مفهوماً في سياقه. فقد كانت البلاد تعيش حالة من الصدمة والغضب والحزن، فيما كشفت الهجمات عن ثغرات خطيرة في أجهزة الاستخبارات والتنسيق الأمني والاستعداد الداخلي. وكانت أفغانستان، حيث وفّر نظام طالبان ملاذاً لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، الهدف الأكثر مباشرة ومنطقية.

لكن واشنطن سرعان ما انتقلت إلى حرب أخرى لم تكن لها العلاقة نفسها بهجمات 11 سبتمبر: العراق.

فلم تقدم التحقيقات اللاحقة دليلاً على أن نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين خطط، أو ساهم في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر أو نفذها. ومع ذلك، وبعد أقل من عامين على الهجمات، غزت الولايات المتحدة العراق، وأعدمت رئيسه في قرار غيّر بنية الشرق الأوسط وأطلق سلسلة من النتائج التي لم تستطع واشنطن السيطرة عليها.

أدى الغزو إلى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، وتصاعد الانقسام الطائفي، وخلق بيئة ملائمة لنمو تنظيم “القاعدة في العراق”، الذي تحول لاحقاً إلى أحد أهم المكونات التي ساهمت في ظهور تنظيم “داعش”.

وهنا برز أحد أكبر تناقضات «الحرب على الإرهاب»: حرب بدأت بهدف القضاء على الإرهاب الجهادي ساهمت، في أحد مساراتها الرئيسية، في خلق الظروف التي سمحت بظهور تنظيمات جهادية أكثر تطرفاً.

أما أفغانستان فقد قدمت درساً مختلفاً. فعلى مدى عشرين عاماً، لم تكتف الولايات المتحدة بمحاربة طالبان، بل حاولت بناء دولة ومؤسسات سياسية وأمنية قادرة على الاستمرار. وعندما انسحبت القوات الأميركية عام 2021، انهارت الحكومة الأفغانية بسرعة مذهلة، لتكشف التجربة حدود القوة العسكرية حين تُستخدم لبناء نظام سياسي من الخارج.

عندما تحولت المراقبة إلى جزء من الحياة الأميركية

لم تكن أكثر التحولات عمقاً بالضرورة في ميادين القتال، بل حدث كثير منها داخل الولايات المتحدة نفسها.

فقد وسّع “قانون باتريوت”Patriot Act  صلاحيات الحكومة في التحقيق والمراقبة والحصول على المعلومات في قضايا الإرهاب، ثم تحولت بعض الإجراءات التي قُدمت في البداية باعتبارها استثنائية ومؤقتة إلى مكونات مستقرة في منظومة الأمن القومي.

وكان التحول الأهم فلسفياً أكثر منه قانونياً. ففي مرحلة ما قبل 11 سبتمبر، كانت الخصوصية تُعامل على نطاق واسع باعتبارها جزءاً أصيلاً من حقوق المواطن. أما بعد الهجمات، فقد أصبح من المقبول بصورة متزايدة النظر إليها باعتبارها حقاً يمكن تقليصه كلما استدعت “الأمن القومي” ذلك.

وكشفت تسريبات وكالة الأمن القومي لاحقاً مدى اتساع قدرات الحكومة على جمع المعلومات وتحليل الاتصالات والبيانات على نطاق هائل.

المشكلة لم تكن في وجود أجهزة استخبارات قوية بحد ذاته، وإنما في تطبيع فكرة أن التهديد الدائم يبرر امتلاك سلطات استثنائية دائمة.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج ما بعد 11 سبتمبر: فالدولة التي تحصل على صلاحيات واسعة في لحظة خوف نادراً ما تتخلى عنها بسهولة عندما ينحسر الخطر الذي برر الحصول عليها.

ربع قرن من الحرب.. وثمن لا يزال يتصاعد

كان الثمن البشري والمالي للحروب التي أعقبت 11 سبتمبر هائلاً. وتشير تقديرات مشروع “تكلفة الحرب” في جامعة براون إلى أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة بعد الهجمات كلفت نحو 8 تريليونات دولار، وأسهمت في أكثر من 900 ألف وفاة، بين عسكريين ومدنيين وفي مناطق الصراع المختلفة.

لكن التكلفة الأهم ربما كانت استراتيجية.

فعلى مدى ربع قرن، أصبح التدخل العسكري أحد الأدوات الأساسية التي تستخدمها واشنطن للتعامل مع الأزمات وعدم الاستقرار. واتسعت عمليات مكافحة الإرهاب لتشمل أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والصومال وليبيا، فيما أخذت الحدود الجغرافية لـ “الحرب على الإرهاب” في التلاشي.

وفي النهاية، أصبح من الصعب تحديد أين تبدأ هذه الحرب وأين تنتهي، ومن هو العدو تحديداً، وما هو معيار الانتصار، ومتى يمكن إعلان انتهاء المهمة.

تحولت الحرب التي بدأت كرد على هجوم محدد إلى عقيدة أمنية عالمية بلا نهاية واضحة.

القوة الأميركية.. بين التفوق العسكري والعجز السياسي

دخلت الولايات المتحدة مرحلة ما بعد 11 سبتمبر وهي القوة العسكرية الأعظم في العالم. وكان أمامها مجال واسع لتحويل تفوقها العسكري إلى نظام دولي أكثر استقراراً.

لكن الإفراط في استخدام القوة ساهم بدلاً من ذلك في استنزاف جزء من رصيدها السياسي والأخلاقي.

فالعراق أثبت أن القدرة على إسقاط نظام سياسي لا تعني القدرة على بناء نظام شرعي ومستقر مكانه. وأصبحت أبو غريب وغوانتانامو وعمليات التسليم الاستثنائي والجدل حول حرب الطائرات المسيّرة رموزاً لمرحلة تراجعت فيها قدرة واشنطن على إقناع العالم بأن سياساتها الخارجية تنسجم دائماً مع النظام الدولي القائم على القواعد الذي كانت تدافع عنه.

لقد أثبتت الولايات المتحدة أنها قادرة على تدمير أنظمة ودول، لكنها واجهت صعوبة أكبر بكثير في إنتاج ترتيبات سياسية شرعية وقابلة للاستمرار.

ومع صعود الصين وعودة روسيا كمنافسين رئيسيين، وتزايد شكوك الحلفاء بشأن قرارات واشنطن، أصبحت مشكلة القوة الأميركية أقل ارتباطاً بغياب القدرة العسكرية وأكثر ارتباطاً بارتفاع تكلفة استخدامها وتراجع قدرتها على تحقيق النتائج السياسية المرجوة.

الشرق الأوسط.. المنطقة التي دفعت الثمن الأكبر

ربما لا توجد منطقة تكشف إرث 11 سبتمبر بصورة أوضح من الشرق الأوسط. فغزو العراق أزال إحدى القوى الرئيسية التي كانت تشكل جزءاً من توازن المنطقة، بينما أدى الصراع السوري إلى دمار واسع ونزوح جماعي، واستغل تنظيم “داعش” الفراغات السياسية والأمنية الناتجة عن انهيار الدولة والصراعات الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، استمرت العمليات العسكرية الأميركية وشبكات مكافحة الإرهاب في المنطقة حتى بعد أن أصبح من الصعب ربطها مباشرة بالتهديد الأصلي الذي أطلق “الحرب على الإرهاب”.

وهكذا دخلت الحروب في دائرة ذاتية التغذية: تدخل عسكري يخلق فراغاً، والفراغ يولّد تهديداً جديداً، والتهديد الجديد يصبح مبرراً لتدخل آخر.

وبعد 25 عاماً، لا تزال واشنطن منخرطة بدرجات مختلفة في أزمات شرق أوسطية تتجاوز كثيراً التهديد الذي مثلته هجمات 11 سبتمبر في الأصل.

الإرث النفسي.. أميركا التي لم تعد تشعر بالأمان

لكن ربما كان الإرث الأعمق لـ11 سبتمبر نفسياً. فقد دخلت الولايات المتحدة ذلك اليوم وهي تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة محمية نسبياً بموقعها الجغرافي ومحيطين يفصلانها عن معظم صراعات العالم. وخرجت منه وهي تنظر إلى التهديد باعتباره احتمالاً دائماً.

وبينما أظهر الأميركيون بعد الهجمات شجاعة وتضامناً استثنائيين، خصوصاً رجال الإطفاء والشرطة والمسعفين، فإن المرحلة التالية حملت أيضاً الخوف والتمييز والتنميط العرقي وتوسيع صلاحيات الدولة على حساب بعض الحريات.

ولهذا فإن إحياء ذكرى 11 سبتمبر لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد غير نقدي لكل ما حدث بعده.

تكريم الضحايا لا يتطلب الإبقاء إلى الأبد على السياسات التي نشأت من الخوف بعد موتهم.

فالدرس الحقيقي يتعلق بالتوازن: كيف تحمي “الديمقراطية” نفسها من “الإرهاب” من دون أن تسمح لأعدائها بإعادة تعريف قيمها؟ وكيف تجمع المعلومات الاستخبارية من دون تحويل المراقبة إلى افتراض دائم بأن المواطن موضع اشتباه؟ وكيف تستخدم القوة العسكرية من دون الخلط بين القدرة على التدمير والقدرة على تحقيق استراتيجية سياسية ناجحة؟

بعد 25 عاماً، يمكن القول إن أميركا نجت من هجمات 11 سبتمبر، لكنها لم تنجح تماماً في الخروج من عالم 11 سبتمبر.

الهجمات استمرت ساعات، لكن آثارها امتدت ربع قرن. وربما آن الأوان لأن يكون الفصل المقبل مختلفاً: ليس في مقدار القوة التي تستطيع الولايات المتحدة امتلاكها باسم الأمن، وإنما في قدرتها على التوفيق بين الأمن والحرية، وبين القوة وضبط النفس، وبين التفوق العسكري والحكمة الاستراتيجية.

المشكلة لم تكن في الحرب وحدها.. بل في غياب نقطة النهاية

أخطر ما أنتجته “الحرب على الإرهاب” ليس عدد الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة فحسب، بل تحويل الحرب إلى حالة دائمة. فالحرب التقليدية يفترض أن تكون لها أهداف محددة ونهاية سياسية، بينما أصبحت مكافحة الإرهاب إطاراً مفتوحاً يمكن تمديده إلى أي ساحة يظهر فيها تهديد محتمل. وبذلك تحولت الاستثناءات إلى قواعد، وأصبح استمرار الحرب أسهل سياسياً من إعلان انتهائها. هذه هي المعضلة التي تركها 11 سبتمبر لأميركا: دولة تمتلك قوة هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في تحديد متى تكون القوة قد حققت هدفها، ومتى يصبح استمرارها جزءاً من المشكلة.

انتصرت أميركا عسكرياً أكثر مما انتصرت سياسياً

تكشف تجارب العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها عن فجوة جوهرية بين القوة العسكرية والنتيجة السياسية. تستطيع واشنطن تدمير مواقع عسكرية، إسقاط أنظمة، واغتيال قادة جماعات مسلحة، لكنها لا تستطيع بالضرورة فرض نظام سياسي مستقر أو بناء شرعية محلية. وهذا هو الدرس الذي بدا أن الولايات المتحدة تجاهلته مراراً: الحرب ليست بديلاً عن السياسة. وحين لا يكون هناك تصور واضح لليوم التالي، يتحول الانتصار العسكري المؤقت إلى بداية أزمة جديدة، ويصبح الجيش مطالباً بإدارة نتائج سياسية لا يستطيع السلاح وحده حلها.

إرث 11 سبتمبر يختبر الديمقراطية الأميركية أكثر مما يختبر قوتها العسكرية

ربما يكون الاختبار الأهم هو ما خلفته الهجمات داخلياً. فقد تمكنت الولايات المتحدة من البقاء قوة عسكرية عظمى، لكنها دفعت ثمناً في علاقتها بمفاهيم الخصوصية والرقابة والسلطة التنفيذية والحريات المدنية. والخطر هنا ليس أن تتعرض الديمقراطية لضربة واحدة، وإنما أن تتآكل تدريجياً تحت شعار الأمن. فالاستثناء الذي يستمر 25 عاماً يتوقف عملياً عن كونه استثناءً. ولهذا فإن استعادة التوازن بين الأمن والحرية ليست ترفاً سياسياً، بل جزء من تصحيح إرث ربع قرن من سياسات الخوف والحرب الدائمة.

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….