وقوف المثقف العربي ضد الإمبريالية معيار عروبته، د. عادل سماره

وقوف المثقف العربي ضد الإمبريالية معيار عروبته

هل انتقل جوزيف مسعد لينتقد إدوارد سعيد؟

 د. عادل سماره

 في بودكاست/ماراثون فيديو سُئل جوزيف عن العمل الهام للراحل إدوارد سعيد أي “الاستشراق” وخاصة موقف سعيد من الإمبريالية الأمريكية فقال: ” أن إدوارد سعيد بدا وكأنه يقدم نصيحة للإمبريالية الأمريكية حول بناء علاقة مختلفة مع الشرق، ويصف مسعد هذه المقاربة بأنها ليبرالية و”سقطة بسيطة” لا تقلل من أهمية بقية الكتاب”.

وفي حدود ما أعرف أن جوزيف يُكنُّ تقديرا أو وفاءً خاصا لسعيد يحول دون نقده الجاد لجوانب من فكر ومواقف سعيد، علماً بأن النقد لا مساحة فيه للمجاملة.

وفي هذا الصدد، أعتقد أن كثيرا من المثقفين العرب يلجؤون للمجاملة بدل النقد سواء بسبب العلاقات الشخصية أو الخلافات الشكلية، بنظرهم، أو الجزع الأمني، أو الارتزاق المعيب من الأنظمة…الخ. وهنا تبرز ايضاً مساهمة فئة من القراء الذين لا يطيقون النقد من حيث المبدأ فيدينون الناقد لأنه قد يُصيب معبوديهم وهؤلاء فئة تبحث دائما عن إله في السياسة او الثقافة او حتى الجنس لذا فالنقد يثير لوعتهم وغضبهم.

وهنا، أعتقد أن جوزيف لم يقل كل ما يجب أن يُقال عن هذه السقطة في فكر سعيد لأن هذه المجاملة ساهمت في لوي عنق النقد في الوسط الثقافي العربي والذي نراه اليوم عاجزا وحتى غائبا أو ممجوجاً أمام التعري والمأجورية والتبعية الثقافية العربية والتي يصل بعضها حد الخيانة.

قد لا تقلل النقطة التي طرحها جوزيف من أهمية الكتاب، ولكنها ذات ثقل كبير في إعاقة فهم العروبيين للإمبريالية الأمريكية وخاصة إذا نظرنا اليوم حيث تضاعفت الهيمنة الأمريكية على الأنظمة والعديد من المثقفين وحتى القوى السياسية العربية فوجدنا مثقفين كبارا يؤيدون احتلال أمريكا للعراق وليبيا وسوريا…الخ.

 أما النص المقصود كما كتبه إدوارد سعيد فهو التالي:

“يشكل العالم العربي اليوم تابعا فكريا وسياسيا وثقافيا للولايات المتحدة. لا تبعث هذه العلاقة على الأسى بحد ذاتها. لكن الشكل المحدد الذي تتخذه علاقة التبعية هذه هو الذي يبعث على الأسى ” (الاستشراق، 1991، ص 322 ترجمة كمال أبو ديب).

وهل هذه مجرد سقطة من سعيد؟ فهو يبرر التبعية ويعتب على العدو لأنه لم يعامل التابع باحترام، وهنا خلل منطقي، فالسيد لا يمكن أن يحترم العبد وإلا لا يكون سيداً، ولعل الرئيس الأمريكي الحالي طالما عبَّر عن ذلك بابتذال حيث قال لملك السعودية مواجهةً على الشاشات: “ادفع يا ملك، فلديك فلوس كثيرات، ادفع فلولا حمايتنا لك لن تستمر أسبوعين”.

كان الراحل جلال صادق العظم أول من كتب نقدا لما يسميه جوزف مجرد سقطة لبرالية وذلك في مقاله بالإنجليزية Orientalism and Orientalism in reverse, Khamsin, no 8 1981, p.p 5-26. “الاستشراق والاستشراق معكوسا”.

ويبدو أن سعيداً لم يكن سعيدا بنقد العظم، لذا لم يكن ليُفوِّت فرصة للسخرية من العظم، كان حين سئل في الناصرة عام 1998 وضمن حديثه عن “وثيقة الاستقلال” قال:” وعلى امتداد ساعة ونصف الساعة اجبت عن شتى الأمور من ضمنها انتقادات كان وجهها الى “الاستشراق” ماركسي سوري في الثمانينات ” جريدة القدس 21-12-1998 ص 14).

موقف طريف ليس في صالح سعيد حيث زار الناصرة ليقوم بالدعاية لعزمي بشارة ليصبح عضوا في الكنيست، فأي شرف هذا! وفي الحقيقة أن العظم لم يكن ذلك المفكر الهامشي، لكن المفارقة الطريفة بل المحزنة أن العظم وهو من أشرس الناقدين، ربما إلى حد أن لم يعجبه أحداً، انتهى للأسف مؤيداً لثورة قوى الدينسياسي الطائفية السُنيَّة وطبعاً الإرهابية ضد سوريا. وأعتقد انه لو عاش حتى رأى سوريا الجولاني لاعتذر.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، نعم سعيد كان لبرالياً تماما وليس فقط على حواف اللبرالية، وما اسوأها! وبقوله عن العظم “ماركسي سوري” كان يقصد الهزء من الماركسية، وهو حر في ذلك بالطبع لا سيما وأنه اعتبر ماركس مستشرقا.

أوردت هذه الأمور لأقول للقارئ لا تأخذ أي مفكر في حالة واحدة أو مرحلة واحدة من حياته وكتابته بل خذه من مختلف النواحي ومراحل عمره كي لا تقع في عبادة وهمية.

وبالعودة لما قاله جوزيف، فإن ما وقع فيه الراحل سعيد لم يكن هِنةً صغيرة عابرة بل اتضح مع الزمن أنه كان نهجاً وأن الرجل بقي لبرالياً تماماً.

ولست هنا بهدف تقييم سعيد فقد قمت بذلك في دراسة بعنوان ” إدوارد سعيد بين ديالكتيك النص والطبقة يغطيه النقد وتحرجه السياسة ويحاصره الاقتصاد السياسي” (المنشورة في مجلة كنعان العدد 140 لعام 2010 ص ص 84-139)

لذا، أورد في هذا السياق بعض المسائل باختصار.

كيف لإدوارد سعيد اللبرالي، كما يُقر جوزيف مسعد، أن يقبل تعيينه في المجلس الوطني الفلسطيني تعييناً حتى لو جميع الأعضاء تم تعيينهم! تخيلوا لو فعلها ماركسي ماذا كان سيكتب سعيد؟ وخلال عضويته في المجلس الوطني أخذ ياسر عبد ربه إلى أمريكا كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالطبع لم تشتري الإدارة الأمريكية ذلك كما كان يحلم سعيد بل لم ولن تغير اية إدارة أمريكية من موقفها!

وكما أشرت أعلاه، جاء سعيد إلى الأرض المحتلة ليدعم ترشح عزمي بشارة للكنيست أي انسجاما مع موقفه التطبيعي على حساب شعبه، وفي هذا الصدد كتب:

 ” يعني هذا حق تقرير المصير للشعبين…ان كلا من حق العودة بالنسبة لليهود وحق العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين إما ان يؤخذا بالاعتبار معا او يلغيا معا” (عن موقع الانترنت 10-1-1999)

فهل قانون العودة شرعيا وأخلاقيا مثل حق العودة لشعبنا! وهل هناك أي “يساري” صهيوني رد بالمواقة مع سعيد حتى على سبيل المجاملة؟ طبعاً، كما نرى اليوم، فاليسار الصهيوني الذي تنفس ذات يوم برئة اليسار الفلسطيني أصبح في ذمة الله.

سعيد جامل ومدح السعودية، وكتب أنه ضد القومية وكتب أنه يتقزز من ذكر صدام حسين. له أن يتقزز من صدام، لكن أليست السعودية كنظام حالة من النجاسة السياسية والأخلاقية وحتى البيولوجية!

كثيرة هي سقطات سعيد، ولذا كتبت ولا زلت مقتنعا بأن سعيدا، لو حصر نفسه في الأدب المقارن لكان أفضل له ولنا بكثير.

شاهد الفيديو:

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….