في رأيي، بدا تروتسكي أحياناً وكأنه يترفع عن التاريخ، مراقباً الثورتين الروسية والصينية عبر عدسات الأوساط الأكاديمية الغربية، ومُقيِّماً التجارب الثورية الملموسة وفقاً لمفهوم عام universal ومجرد عن الأرثوذكسية الماركسية. ولذا، يمكن فهم نهجه على أنه محاولة لقراءة التاريخ من خلال نص نظري ثابت، بدلاً من قراءته عبر تفاعل جدلي مع الواقع التاريخي الملموس.
ويمكن تلخيص الحجة، في جوهرها، على النحو التالي:
“تستند الماركسية إلى الأممية ولا يمكن حصرها داخل حدود وطنية. لقد كانت هناك شمولية بيروقراطية في روسيا؛ لذا يجب أن تكون الماركسية كونية من جهة، وديمقراطية من جهة أخرى”.
للوهلة الأولى، يبدو هذا الطرح مقنعاً من الناحية النظرية. ولكن من منظور المادية الجدلية، يمكن أن يتحول هذا الطرح أيضاً إلى تعبير عن المثالية المجردة: أي إعلاء المبادئ العامة فوق الظروف التاريخية والثقافية والاقتصادية والسياسية الملموسة التي يتعين على تلك المبادئ أن تتحقق من خلالها فعلياً.
بل يمكن القول، مجازًا، إن كانط كان سيشعر بألفة فكرية مع مثل هذا النهج. فنزعة تروتسكي نحو العالمية (الكونية) تشبه أحياناً النزعة الكانطية الساعية لإيجاد بنية مفاهيمية شاملة قادرة على تنظيم التجارب التاريخية المتنوعة. غير أن المشكلة تكمن في أن التاريخ لا يسير وفق مخطط مفاهيمي عام بحت، فالعام لا يوجد إلا من خلال الجزئي والملموس.
ومن منظور المادية الجدلية، يمكن للكونية المجردة أن تتحول إلى يوتوبيا مغرية؛ إذ قد تعبر عن تطلعات مشروعة للناس المهمشين، بينما تغفل في الوقت ذاته القوى المادية التي تشكّل مجتمعاً بعينه. وفي ظروف معينة، قد يخلق هذا التجريد حيزاً فكرياً يسمح للأيديولوجيا الإمبريالية بالعمل تحت غطاء لغة التحرر العالمي.
ويتجلى الخطر بوضوح خاص عندما يعيد من يُنَصبون أنفسهم مدافعين عن الماركسية إنتاج مقولات الخطاب الأكاديمي المؤيد للإمبريالية، وذلك في سياق إدانتهم المجردة لروسيا أو الصين أو غيرهما من المجتمعات الثورية أو تلك التي مرت بمرحلة ما بعد الثورة. فبدون فحص كافٍ للسياق المادي والجيوسياسي، قد تعيد مثل هذه الانتقادات، دون قصد، إنتاج الافتراضات الأيديولوجية للنظام الإمبريالي ذاته الذي سعت الماركسية تاريخياً لتجاوزه.
لقد تناول مفكرون، مثل غابرييل روكهيل ودومينيكو لوسوردو ، Gabriel Rockhill and Domenico Losurdo هذا التوتر بنظرة نقدية؛ إذ تتحدى أعمالهم السرديات التقليدية المحيطة بالماركسية الغربية والليبرالية والإمبريالية والتاريخ السياسي للقرن العشرين.
وعليه، فإن السؤال الأعمق لا يتمحور حول ما إذا كان ينبغي للماركسية أن تكون كونية أم وطنية. تتمثل الإجابة الجدلية في أن الماركسية يجب أن تكون عالمية في منهجها، بينما تتسم بالواقعية الملموسة في تطبيقها.
ترتكز الماركسية، كما أفهمها، على التأويلية الجدلية من جهة، وعلى التحليل المادي للظروف التاريخية الملموسة من جهة أخرى. فالنظرية توفر منهجاً لفهم الواقع، والواقع بدوره يختبر النظرية ويُعدّلها ويُطوّرها.
وهنا تكمن بالتحديد أهمية كل من لينين وماو تسي تونغ.
فلينين لم يكتفِ بمجرد إعادة صياغة أطروحات ماركس التي تعود إلى القرن التاسع عشر، بل فسّر الماركسية في ضوء الظروف المحددة لروسيا القيصرية، وتطور الرأسمالية الاحتكارية، وأوضاع طبقة الفلاحين، والمسألة القومية، وواقع التنظيم الثوري.
وبالمثل، لم ينقل ماو الماركسية الأوروبية إلى الصين نقلاً ميكانيكياً، بل فسّرها في سياق المجتمع الصيني الذي يغلب عليه الطابع الزراعي، وواقع الفلاحين، وتاريخ الهيمنة الإمبريالية، والظروف الثورية، والبيئة الثقافية والسياسية الخاصة بالصين.
لم يقتصر إنجازهما على مجرد “تعديل” الماركسية بما يتناسب مع الظروف القومية، بل أثبتا بشكل جوهري، أن النظرية الثورية الحية لا بد أن تتخذ شكلاً تاريخياً ملموساً داخل المجتمع الذي تعمل فيه.
لا يمكن للثورة أن تنجح لمجرد أنها تتوافق مع نموذج نظري مجرد، إذ يتعين عليها فهم علاقات الإنتاج الفعلية، والبنية الطبقية، والمؤسسات السياسية، والثقافة، والوعي التاريخي، والمسألة القومية، وموازين القوى داخل مجتمعها.
وبهذا المعنى، مثّل كل من لينين وماو نهجاً أكثر براغماتية وديالكتيكية مقارنةً بتطبيق معادلة نظرية جاهزة؛ فقد تعاملا مع الماركسية لا كنص مقدس، بل كمنهج لفهم الواقع الملموس وتغييره.
يكمن جوهر الحجة في الآتي: الحقيقة لا تهبط من السماء في قالب نظري مكتمل، بل تنبثق تاريخياً من خلال التفاعل بين الفكر والواقع.
لكل حقبة تاريخية تناقضاتها ومهامها الخاصة؛ لذا فإن مسؤولية القادة السياسيين والمثقفين لا تقتصر على تكرار حِكمة الأجيال السابقة، بل تتجاوز ذلك إلى فهم تناقضات عصرهم وبلورة استجابات ملائمة لها.
وهذا هو الجوهر الحي للديالكتيك:
يجب أن ينخرط الفكر في التجربة.
ويجب على النظريةُ أن تواجه الواقعَ.
ويجب أن يُغيّر الواقعُ النظريةَ.
ثم تعود النظرية إلى الممارسة في صورة أكثر ملموسية.
وتتمثل المهمة في ردم الفجوة باستمرار بين الفكر المجرد والواقع الموضوعي.
تكف الماركسية عن كونها منهجاً حياً حين تتحول إلى نص مقدس، إذ تصبح عقيدة جامدة (دوغما) عندما تُعامل استنتاجات الأمس على أنها إجابات لأسئلة اليوم.
وتكمن قوتها (الماركسية) المستمرة، على العكس من ذلك، في قدرتها على تفسير الواقع المتغير، واكتشاف تناقضاته، ومراجعة المفاهيم الموروثة، وتطوير النظرية من خلال التفاعل مع الممارسة.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس:
“ماذا قال ماركس؟”
بل أيضاً: “ما الذي يتطلبه الواقع التاريخي الماثل أمامنا أن نفهمه الآن؟”
ذلك هو الفرق بين الماركسية كعقيدة جامدة (دوغما) والماركسية كمنهج جدلي.
:::::
المصدر والنص الأصلي بالإنكليزية على صفحة الفيس بوك للكاتب:
https://www.facebook.com/muhammad.asif.khan.475332
11 September 2026
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/
