يتكرر هذا السؤال من كثيرين عربا وغير عرب، ولكن، حبذا لو انحصر الأمر في التخلف كونه خلل ذاتيْ ناجم على الأغلب عن تخلف نمط/أنماط الإنتاج وبالتالي العلاقات الاجتماعية التي تُفرز عن تلك الأنماط وهي بلا شك علاقات طبقية، بل يقرأه البعض كرهاً للذات وتشرُّبًا للنظرة العنصرية الشوفينية ضد العرب والإسلام، وهو تشرُّب مثير للسخرية حيث أكثر من يلهج به هم مَن يفتقرون للحد الأدنى من أدنى وعي وثقافة فما أسهل أن يغرد جاهل بسطر أجوف على السوشيال ميديا متخيلاً أنه إرتع قدرا ومنزلة بشتم العروبة و /أو الإسلام.!
فالأخطر أن الأنظمة القُطرية الحاكمة والتابعة في الوطن العربي وأنظمة التبعية للغرب في الدول الإسلامية وفقهاء الطبعات المشوهة بقصد للإسلام منخرطين في حروب طائفية في القطر العربي الواحد وحروب الأنظمة العربية واحدها ضد الآخر/ين وهي حروب في خدمة اسياد هذه الأنظمة الإمبرياليين. وحتى بين أنظمة بلدان إسلامية، وكمثال، فقد لعبت باكستان بالتعاون مع السعودية وأمريكا دورا كبيرا في إسقاط نظام علماني أطاح بالملكية في أفغانستان ولكن أُطيح به وطُرد السوفييت من أفغانستان لتحل أمريكا لاحقاً وتحتل أفغانستان إلى أن تُطرد من هناك شر طرده.
وكما أشرنا في غير مقال، فإن البلدان العربية والإسلامية منشغلة في تجسيد طبعات أخرى للإسلام تحملها حوامل طائفية تناقض بعضها بعضا مما يحول دون أي انتقال حقيقي بالثروة من هدر هذه الثروة في الحروب الداخلية كي لا تُحوَّل ولو جزئياً للتنمية. فالطائفية حالة متخلفة ما قبل الرسملة صناعيا وإنتاجيا، ولكن غارقة في الاستهلاك على أسس رأسمالية، أي علاقات استهلاك رأسمالية وهذه مفارقة بالطبع، لذا يسهل تشغيلها ضد العروبة ولذا أيضاً تحافظ عليها الأنظمة القطرية لأنها تخدم بقاء تبعيتها كأنظمة، وهنا تتم التغذية المتبادلة بين السلطة والطائفيين. فالطائفيون يشحنون المجتمع بالدينسياسي والسلطة تستفيد من ذلك في استقرار تبعيتها ونظامها بالطبع والزعم أنها مؤمنة. وفي مناخ كهذا، أيُّ حديث يمكن لك طرحه عن التصنيع والحداثة والعلمانية والديمقراطية! فهذه الأنظمة عبر تبعيتها تكرس احتجاز التطور خاصة الصناعي وتعتمد رشى الريع وهو الأنسب للعقل الطائفي، فالريع ضد العمل وجاذب للولاء.
وفي خدمة هذه الأنظمة تقف مجموعات من مثقفي الطابور السادس الثقافي سواء اللبراليين أو الدينسياسيين وهما فئتان تبدوان نقيضتين لكنهما ليستا خطين متوازيين لا يلتقيان لأنهما يصبان في خدمة الثورة المضادة والسلطة ضمنها، ولعل تواشج خطاب وموقف قوى الدينسياسي والتروتسك في مصر أوضح مثال حيث يتواشج متمركسين مع دينسياسي أو مواقف الحزب الشيوعي العراقي في تذيُله للسلطة الطائفية وتبعيتهما للاحتلال الأمريكي أو ارتماء الناصريين والاشتراكيين في جنوب اليمن في حضن فرنسا والسعودية البلدين الذين في خدمة الولايات المتحدة!
قد يجادل البعض بأن هناك صناعات ما في بعض أقطار الوطن العربي، ولكنها صناعات أولية تجميعية تقع في أسفل درجات سُلًّم التطور وتقسيم العمل الدولي كتصنيع مرحلة أولى للألمنيوم في الخليج لتصديره ليُستكمل في الغرب ناهيك عن الأسمدة…الخ ،والمهم أنها بتخلفها وتبعثرها لم تحمل على كتفيها بلورة طبقة عاملة صناعية يمكن بوعيها الطبقي أن تلعب دورا في التأسيس لثورة برجوازية أو وطنية ديمقراطية بما أن هذه الثورة هي النقيض الاجتماعي والطبقي لمواجهة التبعية والدينسياسي حيث قوة العمل تعتمد على بيع قوة عملها للطبقة المالكة الحاكمة وهذا بدوره من روافد تقوية العلمانية.
لقد أسست الحقبة الناصرية في مصر بدايات لقاعدة صناعية تمت لاحقاً خصخصتها وتقزيمها وتفكيكها لصالح وعلى يد طبقة الكمبرادور فغدت مصر تستورد ما كانت تنتج. واللافت أن هذا التقويض للقاعدة الصناعية ترافق مع كارثتين:
· الانفتاح الاقتصادي الذي قوَّض دور الدولة وخاصة القطاع العام وألغى تأميم الأرض وكل هذا من نتائج هزيمة 1967 التي لم يمسحها انتصار أكتوبر،
· وتراجع بل انحسار القوى القومية والشيوعية في مجمل الوطن العربي فاسحا الطريق لقوى الدينسياسي التي طغت على المشهد العربي منطلقة من مركزين، الوهابية السعودية والسلفية التركية والتي “سفارتها” في الوطن العربي إمارة قطر.
ولا يختلف تقويض البدايات الصناعية في العراق عن حال مصر، وتكفي الإشارة إلى أن العراق يصدر النفط الخام إلى إيران ليستورده مصنعا لاحقاً بدل ان يعيد بناء المصافي العراقية والمثير للسخرية أن أمريكا تسمح للعراق بهذا ليس محبة بإيران بل لإبقاء العراق اشد تخلفاً.
وهكذا، فالانفتاح الاقتصادي وتفشي قوى الدينسياسي نمى في ظلهما التطبيع مع الكيان الصهيوني والحروب البينية العربية وصولا إلى الربيع الخريفي العربي، أو إعادة سيطرة المركز الإمبريالي على مجمل الوطن واندماج الكيان الصهيوني في الوطن العربي اندماجا مهيمناً وخاصة بعد تقويض الجمهوريات.
في مناخ كهذا يتضح أن دُعاة الديمقراطية في الوطن العربي هم مجموعات تعبئة وهمية لفراغ يحتاج إلى خطاب ثوري وليس إلى وعظ تحتويه الأنظمة الحاكمة بل وينطلق من إمارة قطر قاعدة الدينسياسي والحربية العدوانية الأمريكية في مفارقة غريبة من نوعها.
قاد النمو السكاني العالي في الوطن العربي إلى زيادة موازية لقوة العمل الباحثة عن عمل وبالتالي عن دخل، ولكن هذا إقترن مع تطوير التخلف كما كتب جوندر فرانك، وتطوير اللاتكافؤ بين الأقطار العربية كعاملين مترابطين قادا إلى بطالة موسعة الأمر الذي في تراكبه مع تخلف الوعي دفع بقوة العمل العاطلة إلى الانسحاب من المشهد العام إلى الانحصار في البحث عن الأمان في الوسط الطائفي والذي وظفته الأنظمة العربية الريعية خاصة في جيوش قوى الإرهاب كقوى دينسياسي مما ولَّد ظاهرة الاستشراق الإرهابي حيث قوة الإرهاب عربية وإسلامية بينما إدارة وتدوير هذه القوة على يد الإمبريالية وتمويلها من قبل قطريات الخليج العربي. وعليه، كان على الفرد للخروج من إسار البطالة وتحقيق لقمة العيش التورط في الإرهاب مما أسقط جمهوريتيْ ليبيا وسوريا.
وبغض النظر عن الدور الإمبريالي في تغذية إيديولوجيات الطوائف وقابلية القشرات العليا من كل طائفية سواء بشقها الطبقي أو الفقهي/المشيخي لأخذ المسألة الطائفية بعيدا عن الدين لتحرك مجاميع البسطاء والمأفونين طائفيا في حروب لا تنتهي يبرز السؤال: ما علاقة هؤلاء بالدين وما مقدار تمثيلهم له!
في مناخ الصراع إلى حد المذابح والتفجيرات الانتحارية حتى في المساجد، سواء في سوريا أو العراق أو باكستان، لا يبقى مجالاً قط للحديث عن التخلف الذي أصبح إيديولوجيا مهيمنة من جهة وأصبحت هذه الطوائف جاهزة للعمالة للأعداء استنصارا بهم ضد الطوائف الأخرى، ووصول حالة كهذه يتحطم المبنى الوطني فما بالك بالقومي وبالطبع الطبقي. لعل التحالفات الزَلِقة للنظام الطائفي في العراق والذي أتت به الإمبريالية المحتلة الأمريكية مثالاً فاقعا، فقد إنتقل هذا النظام من قيادة شيعية تتبع ازدواجيا لأمريكا وإيرن، بل أقرب لإيران، إلى قيادة شيعية ايضاً بقيادة رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي كلياً لصالح المحتل الأمريكي ضد إيران.
هذا التسلط الطائفي بإيديولوجيا الدينسياسي المُغرِق في التبعية يحول دون وجود إعلام حر أو أحزاب حقيقية، أو برلمانات حقيقية أو رئاسة منتخبة، ناهيك عن الإمارات والملكيات الوراثية…الخ لم يعد يمثل الإسلام، ولا يمثل أو يخدم الطبقات الشعبية في هذه الدول والأمم، ولذا تٌقتل الناس أو تموت كالذباب حيث أعلى نسبة موت في العالم هي في الدول العربية والإسلامية ولا أحد يغضب!!!
ولذا أيضا، هذه البلدان هي الأعلى استيرادا للمواد الغذائية، أما الأقطار التي لا تملك السيولة المالية اللازمة لدفع ثمن الأغذية تموت فيها الناس من الجوع أو تموت تدريجيا وعن عمر قصير بسبب سوء التغذية، وفي هذه البلدان توجد أعلى نسبة سجناء إضافة إلى سجون أمريكية سرية لرعايا هذه البلدان ومن رعايا دول أخرى. هذا إلى جانب دخول أنظمة عربية حربا عدوانية ضد أنظمة عربية أخرى وصولا على تقويضها بدءا من مشاركة عدة أنظمة عربية في العدوان ضد العراق 1991 إثر تحريره الكويت لعدة أشهر وصولاً إلى احتلال أمريكي للعراق والعدوان السعودي الإماراتي المتواصل ضد اليمن /صنعاء، ومن ثم الربيع الخريفي العربي حيث قامت أنظمة النفط بتمويل وتسليح إرهابيي قوى الدينسياسي لإسقاط الأنظمة الجمهورية في ليبيا والعراق.
وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي أعلى اشكال اضطهاد المرأة رغم امتلاء هذه البلدان بالنسويات اللبراليات الغربية ومؤسسات الأنجزة التي تدعي الدفاع عن المرأة، ولذا لا تزال تُقتل المرأة على ما يسمى “الشرف” البطريركي، وتُمنع من قيادة السيارة، هذا إذا توفرت. كما لا يوجد استعمار استيطاني في اية بقعة من العالم سوى في الوطن العربي ناهيك عن التسليم باغتصاب أراضي عربية من قبل الأنظمة الحاكمة في هذا القطر العربي أو ذاك، كما هو حال المغرب، وسوريا والعراق.
أما واللوحة كما شرحنا، فهل من شك بأن الوطن العربي والعالم الإسلامي هما قمة التخلف طالما مكونات التخلف متوفرة بشكل فائض يقابلها جهل وتجهيل مبنيين “علميا”.
:::::
صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
