عروبيات حلقة (9): برنارد لويس: جملة واحدة ضربت الإسلام والشيوعية، د. عادل سماره

كتب برنارد لويس جملة واحدة أخطر من كتبه الثلاثين، جملة مثابة تقديم سلاح دمار شامل للإمبريالية لتلقيها ضد الأمة العربية وحصل ذلك. ومضمون الجملة:

” هناك تقاطع بين الإسلام والشيوعية وهذا خطر على الغرب يجب خلق أدوات مواجهته لأن هذا التقاطع يقنع المسلمين بالاشتراكية”.

هذا التحذير أبلغ من عشرات الخرائط التي اقترحها مستشرقون ورجال سياسة غربيين لتجزئة الوطن العربي والتي في أغلبها تعزل الطوائف والإثنيات في منعزلات جغرافية خاصة بكل منها معادية كل منها للأخرى ومستقوية بالسيد الإمبريالي، هذا التحذير أخطر من الاحتلال العسكري والاغتصاب الاستيطاني لأنها مكشوفة ومُصاغة بجلافة. هذا التحذير الموجز بجملة جعل ما يكرر نشره عديد المثقفين العرب من خرائط ومشاريع تقسيم مجرد ثرثرة مفهومة لم تنتج تحولات تنظيمية للتصدي لها وبقيت كطنين بعوضة قبل النوم طالما لن تُختم بوجوب إسقاط الأنظمة القطرية ولجم شيوخ الفتنة الطائفية ولجم قوى الدينسياسي ناهيك عن الطابور السادس الثقافي المتمركز في مستوطنة قطر وله تمفصلات في الأرض المحتلة سواء في الصحف أو الميديا عموماً والذي لا يحتفي سوى بالمثقف العميل حياً أو ميتاً وهذا على نهج الكيان باختفائه بإميل حبيبي.

استنادا على قنبلة برنارد لويس اشتغلت الإمبريالية على جبهتين:

الأولى: وهنا لن نعود إلى الاستهداف الرأسمالي الاستعماري ومن ثم الإمبريالي للوطن العربي منذ ثلاثة قرون، بل الانتقال من استكمال شبه تام لاستعمار واحتلال الوطن العربي إثر إنهاء الاستعمار العثماني إلى مخطط التجزئة بما فيها أيضا من قُطبِ المؤامرة وخاصة لاحتجاز أي مستوى من الوحدة العربية، تم حقن جمهور الطبقات الشعبية في القطريات العربية بضخ فكري مسموم جوهره أن الشيوعية كفر وإلحاد وبأنها عدو للإسلام، فكانت سياسات ما تُعرف بمحاربة الشيوعية في الوطن العربي.

والثانية، وهي الأخبث: تصنيع إسلاميات عديدة لتخريب مضمون الإسلام بتعميم هذه الإسلاميات وهي التي تمكنت من الأمة العربية وخاصة منذ هزيمة حزيران 1967 والتي أخطر نتائجها، دحر مشروع الوحدة العربية إلى الوراء بسيطرة الدولة القطرية في المستوى السياسي الأنظماتي الجغرافي التجزيئي، وسيطرة قوى الدينسياسي على المستوى الثقافي والإيديولوجي باندحار القوى القومية واليسارية أو إنزوائها.

نتج عن ذلك إنعاش هائل للطائفية لتجد نفس الجماهير التي كانت تهتف للوحدة في الميادين، وتحمل سيارة جمال عبد الناصر في دمشق 1958 هي نفسها أو جيلها الجديد الذي يعادي الأمة العربية والقومية العربية ويذبح على أساس طائفي في سوريا نفسها 2025 داعية لوحدة “الأمة” الإسلامية التي تغوص في الفقر والتخلف والتبعية والولاء للإمبريالية   ناهيك عن الصمت على وصول الكيان ضواحي دمشق الشام!

وهذا يؤكد أن الأمم يمكن أن تنحط في ظروف ما، وأن الجماهير ليست على حق بشكل مطلق بغض النظر عن الأسباب، وهذا يذكرنا بما كتبه ماركس في كراس الثامن عشر من برومير الصادر 1852: “لا عذراً لأمة إذا غفلت في لحظة عن حماية نفسها شأنها شأن المرأة التي تمكن أول مغامر من الإتيان بها “، شكرا للرفيق سيف دعنا حيث وفر لي النص. ولعل قرار الأمة الصينية على التذكير دائما بقرن الذل مثابة تأكيد على أن الأمم يمكن ان تُصاب بوهن ذاتي في فترات زمنية من تاريخها، لكنه تذكير بهدف مواصلة النهوض وهذا ما يجب أن نعمل عليه للصد والرد على فيضان التمويل الريعي للطابور السادس الثقافي الذي يموَّل حتى الاختناق، إلياس خوري نموذجاً رحمه زيوس.

ولكي تدمج الإمبريالية بين محاربة الشيوعية وتخريب الوطن العربي كان توليد منظمة القاعدة وخاصة ضد أفغانستان حيث احتمى النظام الجديد بالدعم السوفييتي فكان تجنيد بل تطوع رجال قوى الدينسياسي العرب للقتال في أفغانستان ضد “الكفار” بما أن أفغانستان دار إسلام، بينما اغتصاب فلسطين اقل خطراً لأن المحتلين أصحاب ديانة سماوية رغم أن فلسطين دار إسلام، وهذا ما يفِّسر اليوم صمت قوى الدينسياسي بل وأنظمة التبعية عن احتلال تركيا ثانيةً  لأراضي سوريا منذ قرن والعدوان على سوريا  مع بدء الربيع الخريفي العربي وإسقاط النظام العلماني القومي في سوريا لصالح الإرهابي أبو محمد الجولاني. كيف لا، وتركيا ليست ذات كتاب آخر بل كتابها الإسلام نفسه! وحيث تم تقويض سوريا أصبحت في المشرق العربي مستعمرة دينسياسي طائفي شيعي في العراق تقابلها نقيضتها مستعمرة دينسياسي سًني في الشام!

أما جوهر كل هذا التوجه فهو خلق وتعميق العداء للعروبة بتشغيل إسلاميي الدينسياسي ضدها وفي عقر دارها. وليس هنا مجال تحليل تمفصلات قوى الدينسياسي هذا أي القاعدة، النصرة، هيئة تحرير الشام…الخ. وهكذا غدت لدينا إسلامات، بريطانية، أميركية، تركية، وهابية، قَطَرية، إماراتية، إبراهيمية، صهيونية…الخ كما رغب برنارد لويس وأكثر فمات مغتبطاً. وهذا التصنيع لإسلامات ضد عربية لا يخلو من شبكة مؤامرات.

على أن نتائج هذا الحقن الطائفي باسم الإسلام تجلى في ظاهرتين:

الأولى: تكفير كل طائفة بسرديات الأخرى وخاصة السنة والشيعة مما قوَّض الإسلام العربي نفسه.

والثانية: قيام قوى الدينسياسي في الوطن العربي بالحرب ضد الجمهوريات العربية مدعومة بأنظمة الخليج، والإمبريالية وتركيا أيضا مع تجنيد بسطاء وعوام وسوْقة وعاطلين عن العمل، وحثالات وجهلة متعصبين مسلمين من مختلف جوانب الكوكب.

إذن كانت أفغانستان مختبر تجربة العداء المطلق بين الدينسياسي والإسلام مما حقَّق حلم برنارد لويس لتنطلق هذه التجربة إلى مجال بل مسرح تطبيقها السياسي أي الوطن العربي بعد أن افرغت هذه الثقافة الدينسياسية الإسلام من جوهره الأخلاقي والاشتراكي وحولته إلى إيديولوجيا دموية بامتياز ولكن بشرط أن لا يُسال سوى دم العرب وبعض دم مسلمين.

تقوم إيديولوجيا الدينسياسي أو تفاقمت تناقضياً لتتمظهر في دينين، أي طائفيتين: السنية والشيعية، بغض النظر عن التمفصلات الأخرى، وهذا حال عملياً دون بلورة مجتمع طبيعي يقوم على مبنى اجتماعي طبقي أو مجتمع وطني في القطر وقومي في عموم الوطن العربي. أي أن الطائفية حالت دون تبلور مجتمع عربي معافى أو حطمت المجتمع العربي السابق على فترة تغذيتها و “ازدهارها”.

فالطائفية هي بنيات “طبقية” ممسوخة تنتشر بحكم العلاقات الاجتماعية الاقتصادية في كل البنية الاجتماعية للبلد متداخلة مع بعضها في السوق والعمل والحياة اليومية ومتنابذة متعادية حاقدة في المستوى الثقافي والإيديولوجي، ولذا حين تتوفر أو تطرأ فرصة أو لحظة خلاف أو تناقض يأتي الجار إلى جاره بالذبح. وليس أتفه من أن “فقهاء” إسلاميي الدينسياسي اليوم يرفضون تهنئة المسيحيين العرب بأعيادهم!

فالطائفيات هي فكريا وثقافيا واعتقادا، “جيتوات مغلقة” مريضة بفصام بين علاقات العمل والتبادل وبين رؤية وموقف كل واحدة من الأخرى.  وعليه، فالطائفيات لا تؤمن بالديمقراطية ولا تكلف نفسها الاطلاع عليها مكتفية بفتاوى الفقهاء الذين حلَُّوا محل النص نفسه بالتلاعب بالمعاني ومناخات التنزيل. ولذا، فالوطن العربي لم يعرف الديمقراطية حتى الغربية على عيوبها، كما لم يلتزم بالشورى سواء كان المقصود بها شورى كبار القوم أو شورى الإستفتاء العام.  ولذا، كان عزمي بشارة طليقا في الرد على سؤال:

لماذا لا توجد ديمقراطية في إمارة قطر؟

فأجاب: لأن الشعب لا يطالب بها!.

وهذا رد “عميد” الداعين للديمقراطية في الوطن العربي والذي يعيش في قطر بما هي تمفصل دينسياسي لتركيا التي بها طبعة من ديمقراطية كتوليفة بين الديمقراطية الغربية والدينسياسي الإخواني وطبعا القومية العنصرية الفاشية الطورانية.

ولعل أوضح مثالين على ما أزعم هي ديمقراطية لبنان الذي ركَّبته فرنسا، وهي الديمقراطية التي أفرغت شحنتها في ذاتها بحرب أهلية/طائفية وطبقية معاً لمدة خمس عشرة عاما وقتل فيها قرابة 150 ألف شخص وتحقق هدفها الساس وهو نفي الفلسطينيين إلى تونس واليمن وغيرهما، وهي تنتقل اليوم من تراث الاستعماري الفرنسي إلى الانقسام بين صهاينة وعرباً وهذا تفاقم طبيعي في كيان تحكمه ثمانية عشرة طائفة ويرتبط بولاءات خارجية عديدة.

والثانية تجربة العراق التي ايضاً جيء بها على يد العدو الاحتلالي الأمريكي باقتلاع دولة عربية مركزية لتقودها طائفية تعلن فسادها وعمالتها ونومها المزدوج ليلة في مخدع الأمريكي وأخرى في مخدع ألإيراني بينما عراق النفط بلا كهرباء وبلا إنتاج وبلا تدفئة وبلا تبريد مع بطالة هائلة تغذي النظام الطائفي بالباحثين عن لقمة العيش تحت غطاء الانتماء للطائفة.

تتواشج العوامل الذاتية والخارجية في توفير وجود وتمترس ووبائية الطائفية لتشكل بالطبع مأمناً ومناخا مؤاتٍ، فالشغل المشترك بين أنظمة التبعية ودور الإمبريالية في احتجاز تطور بلدان المحيط جعل تجاوز أي مستوى من الديمقراطية أمراً سهلا إن لم نقل طبيعيا. وهنا تتداخل القطرية مع احتجاز التطور بمعنى أن الأنظمة القطرية ترتبط بعلاقات تخارجية بالنظام الرأسمالي العالمي في علاقة أسميتها  “تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي”(عادل سماره، مقالة تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي: المواجهة مستمرة بين القومية الحاكمة والقومية الكامنة، في المستقبل العربي العدد 197 تموز 1995 ص، ص   16— 27 ) مما يحول دون تكوُّن سوق وعلاقات تبادل بين قطر عربي وآخر بينما تتعمق علاقات التبادل مع المركز الإمبريالي وبالتالي لا تنشأ كتلة اجتماعية طبقية برجوازية تتجه تصنيعيا بل كمبرادوريا، من جهة ومن جهة ثانية، فإن غياب حركة ثورية  تتبنى وتثقِف وتحشد ب “التنمية بالحماية الشعبية”  حال دون توفر وعيِ بخطورة الكمبرادور. لذا، وجدنا أن تبادل حتى الجمهوريات العربية الصديقة للاتحاد السوفييتي مع المركز الإمبريالي أوروبا وأمريكا قرابة 70% بينما تسليحها سوفييتي.

مؤدى التبعية للنظام الرأسمالي العالمي وهيمنته بالطبع إلى جانب قرار الأنظمة القطرية تطوير اللاتكافؤ فيما بينها وبالتالي عدم بلورة قاعدة صناعية في الوطن العربي ولا حتى تطوير زراعي وكذلك إلى جانب سيطرة الاقتصادات الريعية في البلدان التي بها النفط وتقديم بلدان الفائض مساعدات ترقيعية تخديرية غير تنموية لبلدان العجز أدى إلى إستنامة الوطن العربي بعيدا عن المطالبة بالديمقراطية بشكل منهجي ونضالي طبقي وجماهيري.

فطالما تقوم السلطة بامتصاص قطاعات واسعة من قوة العمل في جهازها البيروقراطي الواسع ناهيك عن الأجهزة الأمنية، وطرد بقية الفائض من قوة العمل وخاصة الممهَّن إلى الخارج، فإن المطالبة بالديمقراطية تصبح شكلا من نكران “الجميل” الذي تقدمه السلطة أو خطرا عقابيا على من ينادي بها.

ولعل هذا يساعدنا في تفسير لماذا يحافظ الغرب على الديمقراطية السياسية والإعلامية الشكلية التي تتوقف على حواف الديمقراطية الاقتصادية، بل تستخدم الأنظمة هناك هذه الديمقراطية الشكلية لامتصاص احتمال الحراك العمالي الذي حين حصوله تتعطل خطوط الإنتاج في بلدان رأسمالية صناعية وزراعية متطورة حيث أن خط الإنتاج هو خط الربح والتراكم الذي لا يقف عند حدود. باختصار، فإن غياب التصنيع هو مناخ مناسب للتحلًُّقات والتحوصلات” الطائفية من الشرائح الدنيا الواسعة في الطائفة خلف رؤساء الطوائف بعددهم المحدود وإمكاناتهم الضخمة مما يؤهلهم لتقديم رشوتين للأكثرية الدنيا:

·        الحرص على​ حصص للطائفة في بنية الدولة

·        وإنفاق المال على تجنيد الزلم والقبضايات والميليشيا الطائفية

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….