عروبيات حلقة (11) الأخيرة: وطن الاحتلالين المحلي وسيده الأجنبي، د. عادل سماره

لا يحتاج المرء لتوصيف نفسي أو فكري للحكام العرب وبطاناتهم حيث الواقع يتكلم بدماء الشعب وحريق التراب ونهب الثروات وقيام هؤلاء في مقدمة الأعداء الخارجيين بتصحير الوعي بل تجويف الوعي لتسهيل وتغطية تجريف الثروة وشل الإرادات واغتيال من يقل كلمة.

إن لم يصح هذا الوصف فليقل لنا من يخالفه: كيف جرى أن كل هذه الإبادة وقرار مواصلتها علانية وهذا الدم والذل وما من اعتراض ولو شكلي يقابله، وبالتأكيد ليس لأن هناك تغييب لفعل حقيقي يحدث بل كي لا يحدث قط.

نعم أحد أهم أسباب هذا الذل المُعاش باستمتاع بهيمي هو خصي قيادات حركة التحرر العربية وخاصة الفلسطينية بل خصي الكثير منها لذاته بيده. نادى الإمبريالية لتبني هذا الخصاء في أوائل سبعينيات القرن العشرين البولندي الاصل الأمريكي الجنسية و الخدمة زبجنيو بريجنسكي نظير كيسنجر في خدمة التوحش الإمبريالي: أي “سحب القوة الثقافية من الجماهير”  امتصاص أو قنص المثقفين كي تكون الطبقات الشعبية مجاميعاً بلا مولِّد تثقيفي توعوي تحريضي ومن ثم تنظيمي وهذا ما يتم في الوطن العربي وخاصة بشراء مثقفين يلعبون دور مقاولين ثقافيين أو إعلاميين (عزمي بشاره في الثقافة، أحمد منصور في الدينسياسي ضد العروبة، حميد العبد الله ضد البعث) هؤلاء يشترون مثقفين/ات ليتحولوا من جذريين إلى أدوات طيعة لنظام الحكم الحاكم/المحكوم إلى أن تم انتزاع الرحم الفكري الثقافي أو حقنه بالعقم لزمن ليس قصيراـ و/أو يشوهون الإسلام، ويشترون قيادات منهارة معنويا كانت مع هذه الجمهورية أو تلك واليوم يبيعون ذكرياتهم  عبر مقابلات مع عملاء. لا شك بأن بريجنسكي هو وريث برنارد لويس (كما ذكرت عنه في حلقة سابقة) حيث وضع الحلقة الثانية في تقويض أي تفاعل عربي بين الإسلام والشيوعية/أو الإشتراكية كي لا يرتعد البعض.

ومن أدوات الإمبريالية لتنفيذ عملية الخصاء كإبادة فكرية ثقافية تنموية تحررية كانت ولا تزال الأنجزة NGOs أي المنظمات غير الحكومية التي تمولها أنظمة الحكم الغربية من دائرة تسمى  OVER SEAS DEVELOPLENT AGENCY- ODA.

ولاحقاً نُقلت التجربة إلى الوطن العربي وخاصة بعد الطفرتين النفطيتين 1973 و 1985 وتواصلت حتى اليوم عبر شراء مثقفين، وخاصة دور قطر ومؤسسات عزمي بشاره-عضو الكنيست سابقا، وعبر مؤسسات تزعم أنها خيرية ودينية ولكنها مرتزقة الدور تروج لللدينسياسي المضاد للعروبة.

لفهم هذا شاهدوا كثيرا من لقاء مثقفين ومفكرين، كانوا تقدميين وعروبيين ويساريين، وأصبحوا يتلوون ويتلونون على شاشات الخليج خاصة يلوكون ويلوون أعناق ما كتبوا لأن أيديهم وقلوبهم غدت على جيوبهم.

في هذا الوضع تحولت الطبقات الشعبية إلى مجاميع مفككة حتى التفرُّد بأنانية جاهلة أقرب إلى تفرد البهيمة، هائمة على نفسها قلقة من غيرها بل وربما كارهة له.

ومعضلة هذه الطبقات ليست فقط في انتزاع رحمها النفسي الثقافي وحتى البيولوجي بل الأهم، مبرر وجودها البيولوجي  وتجديده ووجود المجتمع بعينه، أي رحمها الطبقي الإنتاجي، فحين يتم احتجاز التصنيع تحديداً،  أو تخريب وخصخصة ما بُني من مشاريع صناعية في مصر وسرقة المصانع السورية من حلب على يد العدو التركي، وتدميرها في العراق على يد الإمبريالية وسلطة الطائفية الفاسدة وشلها في الجزائر بالفساد بعد بومدين،  لا يعود العامل منتجا، بل بعض العمال، وتلجأ معظم هذه الطبقة إلى التزلف والوساطات لأجهزة السلطات البيروقراطية  أو خدمة الزعامات التقليدية المرتبطة والمستفيدة من النظام، أو تلجأ إلى الحصول على الدخل باي سبيل ما خلا الدور الإنتاجي. وحين يعيش الفرد هكذا، يفقد الثقة بالنفس لأنه لا يعيش بشغله وبالتالي بدخله فيصبح جاهزا للاستخدام أو الإيجار إن شئت وهذا ما زوَّد قوى الإرهاب الدينسياسية بمجاميع لا تحصى دمرت الجمهوريات العربية.

كما أن هذا دور الأنظمة القطرية العربية نفسها في تقديم الخدمات للدول الأخرى وهنا لا يكون عامل الخدمات مهما تعقدت مستقلا أي معتمداً على بيع قوة عمله في مجال إنتاجي حقيقي، لأن تبديله سهلا وتحويله لدور آخر سهل ايضاً. ولعل مثال خدمات الممرات المائية والطرق البرية وحتى الجوية في الوطن العربي الممتد طويلا أوضح الأمثلة على دول خدماتية محطات تبديل تعيش من ريع هذا الدور وريع امتلاك او نقل نفطها كما كانت طريق الحرير في زمن الحرير. هذا ناهيك عن خدمات توفير أراضي لقواعد أجنبية عسكرية واقتصادية وثقافية كلها تساهم في تفكيك او (فرفطة) المجتمع.

 إن اعتماد الخدمات ومنها تحويل الدول إلى ممرات لتجارة ومصالح الآخرين محطات تبديل واستيراد، يقود إلى كبح نمو وتمأسُس طبقة عاملة بغض النظر عن أية شريحة منها على اعتبار أن الطبقة العاملة أو الطبقات الشعبية على صعيد الدول المتقدمة غدت شرائحا، حتى بين بعضها والبعض الآخر متنافسة أو متناقضة. ولعل الوضع في الوطن العربي أدنى بكثير حيث ينظر العاطل عن العمل، وهو من الأكثرية المتزايدة العدد، بعين الحسد إلى عامل خدمات مهما كان دخله باعتبار الثاني يحصل على بعض الأجر.

فالوطن العربي يكاد يخلو من دخول مرحلة الصناعة الأمر الذي يعني وجود طبقة عمالية إفتراضية لا تماسك لها، وحتى الخدمات التي كانت تجمع أعدادا من العمال تتلاشى لصالح العمل الخدماتي المنزلي/العمل من المنزل، وحاشا لله أن يشارك الذكر العمل المنزلي بما هو سجن المرأة.

كما تتلاشى طبقة الفلاحين سواء لفقر التربة أو تردي المناخ أو غياب الدعم الحكومي أو تضاؤل حصة إنتاجها أمام التزايد السكاني الأعلى، أو سياسات الانفتاح الذي يغرق الأسواق بما هو أقل سعرا وأغزر إنتاجا ويتم استيراده بسهولة وبرشى إضافة إلى غياب التوعية التنموية والتي تطمسها الأنظمة ويفتقر لها وعي القوى السياسية.

ويتوازى مع هذه السلبيات تنامي بثور وأمراض ثقافوية تتوزع بين مديح الأنظمة وترويج القطرية   وإعادة الناس إلى العشيرة والطائفة. وأخطر تفاقم لهذه الظاهرة آت من مصدرين:

الأول: حلول قوى الدينسياسي محل القوى القومية والاشتراكية حيث يقضي الفكر الأصولي على الوطنية والقومية والطبقية بالطبع ويرد الفقر إلى قرار سماوي، أي اتهام الله بأنه سب الفقر والحرمان!، ويروج هذا التيار لصراع طائفي عبر صحوات سنية وشيعية تقتتل على ايهما الأصح علي أم معاوية والحسين او يزيد وربما تصالح هؤلاء بعد رحيلهم لكن المرضى الحاليين يخشون ذلك لأنهم يعيشون على الفساد والإفساد وطبعا باسم الله والدين لذا يدعون بلا توقف لتأجيج الصراع المتخلف بين طائفة وأخرى. وعليه منذ 14 قرنا ندفع ثمن صراع التوريث، وهو صراع سياسي، بين علي ومعاوية، فعلي أوصى لابنه، ومعاوية أوصى لابنه ارتكز علي على قرابته للرسول وارتكز معاوية على التراث القيادي الدولاني لبني أمية. والعجيب أن قوى الدينسياسي اليوم تمنح تجديد الخلافة للعثمانيين وهم لا عربا ولا قرشيين، ولا هاشميين، والذين لم يحج إلى الكعبة أياً من سلاطينهم قطعيا! والمهم أن الحمقى لم يدركوا أن التوريث كان حينها ظاهرة عالمية.

هنا تحضرني معترضة لأحد قياديي نظام الجولاني في سوريا على سؤال:

ماذا عملتم للفلسطينيين؟

يرد، هديناهم إلى الإسلام!

إذن نحن 14 قرن لم نعرف الله والإسلام! تباً لك ثكلتك زوجتاك.، فالإسلام الذي قدمتموه لنا هو تسليم سوريا للكيان والعثمانيين!

وفي هذا المستنقع المتحرك تسبح مجموعات، بل ديدان، من المشايخ التي تحرك مياهه المسمومة كي يتضمخ بها كل مواطن، ثم يصلي!

والثاني: وجود حالة أنظماتية في منتهى الخطورة هي أنظمة الخليج العربي التي تجمع بين الدينسياسي من جهة والريع النفطي من جهة ثانية، ريع فوق تصورها العقلي  كي تتصرف به لذا تنهب معظمه  الإمبريالية (أنظر كتاب اعترافات قاتل اقتصادي ل جون بيركنز) ، وبما يتبقى بأيديها، وهو عليها كثير، تُبِّذر في كل اتجاه وتشتري هذه الأنظمة المثقفين ومشايخ الطائفية وتقف ضد الوطنية والقومية وتزعم الوحدة والأمة الإسلامية علما بان دولة دينية أكثر ما تخدم الدعاية لها والقول بها ما تحاوله الصهيونية بأمة يهودية، هي دين وليس عرقا او قومية، لم توجد قط.

وباستثناء من انتمى للمقاومة، خلقت الطائفية هذا الوضع البشري الفرداني بالمطلق يستخدم التكنولوجيا أسوأ وأوحش استخدام يمكن للبشرية أن تفعله: فهي فرادى، وإن تجمعت كمجاميع أسرة لا أكثر، تتعاطى مع انتشار المعلومة عالميا عبر تصنُّمها أمام التلفاز أو الخليوي ناظرة إلى القتل والإبادة ببلاهة لا تنقلها العين إلى العقل، ثم تأكل بشراهة حيوانية تقود إلى أمراض منها السمنة، لتنفق على تخفيض الأوزان أو معالجة الأمراض. وبعد الرضى عن الاستغفار والدعاء لغزة من السنة ولبنان من الشيعة ولا دعاء لليمن الزيدية تقتحم الموائد حتى التخمة وتضاجع ما أمكنها دون سؤال مزاج الجارية ومنه إلى الحمامات لتتوضىء بالبنزين ولا تصلي لله وفي النهاية تتناسل كالأميبيا لتنجب أفرادا تحصر عقلهم في إطار بلاهتها، وبالتالي لا فرق بين تغوطها وتناسلها.

ومرة ثانية، باستثناء من يقاوم، هذا حال مجتمعات بنيتها فردانية بالمطلق، لا ترى الأرض سوى مكانا لا وطنا. القوة الوحيدة المنظمة فيها هي الطبقة الطفيلية التجارية الكومبرادورية الحاكمة وجيشها ومخابراتها. وهذه التوليفة الحاكمة هي متخارجة بالضرورة في ارتباطها بالخارج العدو تحديداً، ومن هنا وطنها تحت احتلالين.

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….