شتّان بين النقد وما يطلبه المستمعون، د. عادل سماره

ليس هناك أقدس من النقد لأنه إلمامُ علمي بما لدى الآخر مضافاً لعلم الناقد نفسه ايضاً، أي ليس النقد مجرد قول هامشي أو شكلي وبالطبع ليس جهلا وصراخاً، وليس لملمة من الشاشات لا سيما وأن لا شاشة تستضيف إلا وتدفع، وترفعت عن هذا وأنا غادرتهن جميعا باستثناء اليمن صنعاء.

نحن عروبة قيد الاستهداف المتعدد والمديد، وعليه، فمن لا يقرأ ويبحث فليفعل ذلك، أو فليصمت، ومن يهرف بما لا يعرف فليرد لسانه ليغلق به حلقه.

لا يروق النقد لأي نظام، فالذي تتقاطع معه يريد عقلك والذي لا تتقاطع معه يريد عنقك. أما الأفراد، فمنهم من يعشق الفهم والتطور ومنهم من اسميتهم “العبيديون” أي أصروا ان يبقوا عبيدا باحثين عن سيد يتلطَون به، وأمرهم هيِّن كأفراد، كما الخردلة، لكن حين يُفتون باسم طبقة أو أمة، فهذا كثير! ومنهم من لم يدخل اية تجربة فعلية فيصبح بطل الشبكات العنكبوتية، أي يُكمل عجزه بالاكتفاء بسموم الشاشات، فيستل سيفا خشبيا ضد أي ناقد. لذا كتبت ذات يوم أن أمثال هذا جاهز لقتل ماركس أو علي مقابل عشرة دولارات، ومنهم من تقاعد ميدانيا، لكنه يُصر على أن يبقى لامعاً فيهاجم بلا عمق مخفيا تزلفه للسلطان، ومنهم طبعا مستدخلو الهزيمة.  

أما الذي يطلب من الناقد إيراد أمثلة وإثباتات، فهو عقل كسول لا يبحث ولا يتابع رغم أن عالم المعلومات أوسع من عالم اليابسة، ومع ذلك يناكف! فالأمثلة موجودة وعليه أن يُشغَّل عينيه ويرد بتوثيق. ولذا لم أكترث بمن يطلب إثباتات، لست محسن كريم، كما انني أربأ أن اكذب لا كذبا اسود ولا أبيض. وبالمناسبة، لامني رفاق بأن المدعو أمير موسوي لا يمثل إيران. لا بأس، بل آمل ذلك، وفيما لو قررت متابعة سمومه، لن أُدخل إيران في الأمر، ولكن أتمنى على كل متابع أن يكون من الجرأة والتمكُّن بمكان أن يرفض أي موقف سلبي من أي نظام لأن هدف ما أطرح هو تقديم حقائق للجيل القادم كي لا يكون تابعا أو باحث عن سيد يتبع له فلا خير في جيل يُخصى سلفاَ.

يرفض النقد كل من المبايعة والبيع. فالمبايعة هي تأييد لنظام ما كتابع لذلك النظام لا ينتقده قط مهما فعل. وبمناسبة هذا كتبت عديد المرات:

لم يكن انقلاب بومدين على بن بللا شرعياً ولا انقلاب صدام على البكر ولا الأسد على صلاح جديد ولا علي عبد الله صالح على إبراهيم الحمدي، ولكن يبقى هؤلاء أعلى بما لا يقاس من المشيخات والإمارات والممالك. البعض عاجز عن فهم أن هذا موقف لأن من لا ينقد الخلل هو خائن للشعب كمتزلف يُضفي على الخلل الأسود هالة بيضاء.

 يجب نقد حليفك أو ما تتقاطع معه من أجل القضية وحتى من أجل كرامتك في أصغر دوائر النقد. أما البيع، فيكفي ما ترونه من مثقفي الطابور الثقافي السادس.

ليس النقد جديدا علي، فليس نقدي لإيران مؤخراً هو الأول، كلا، ومن يدخل موقع “كنعان” kanaanonline.org يجد الكثير ناهيك عن كتبي.

كنت في صفوف م.ت.ف وغادرتها منذ 1977 متأكدا انها لا تملك إرادة التحرير ونقدت ما أمكنني وها هي انتهت إلى الاستدوال!، كما نقدت الإتحاد السوفييتي من حينها ولذا وصفني من يعيش عمره مجرد جندي مطيع بأنني Black Left ووصفني البعض ب Stone Head ووصفني البعض الآخر ب المثقف الانتحاري…الخ. لكن كل هؤلاء سقطوا بين متجند في أوسلو و/أو التطبيع، والخلجنة والنفطنة والحج إلى دوحة قطر والتخارج الغربي…الخ. وهذا ينطبق على عرب وفلسطينيين. من هؤلاء من يرى دور المثقف هو المتاجرة النقودية بوعيه لذا لم يفهم ما معنى إهانتك للنقود. أمن من يقل لي أنقد الكيان فهو لا شك أعمى البصيرة والبصر.

الناقد بوعي يرى ما هو قادم، بينما التابع لا يرى سوى محل قدمه وربما حافره. الناقد بوعي يبحث عن أعلى اكتمال ممكن، والتابع يخشى حتى اقل درجات الاكتمال الوعيوي فيلجأ للشتائم والهُراء. من تخلى عن عروبته، فليذهب إلى ملايين مستنقعات الاعماء والتجهيل، بل هو ربما قادم من هناك. فما يكتب رفاقي وأنا ليس ولا بأي حال من الأحوال.

 أورد هنا مثالا على الرؤية حيث توقعت ورطة أوسلو منذ كامب ديفيد 1979 وواصلت الموقف إلى أن كتبت عام 1991: تكيف م.ت.ف إلى قيادة بديلة:

“… لقد بادرت البرجوازية الفلسطينية وقبل انتهاء العام الأول للانتفاضة إلى إعلان دولة فلسطينية “خارج فلسطين” وأعلنت لها برلمانا من المناطق المحتلة. وأعلنت اعترافها بإسرائيل. فماذا كانت نتيجة هذا؟ … وبهذا فقد تحولت القيادة البرجوازية للمنظمة نفسها الى قيادة بديلة لنفسها “السابقة…. وبهذا، فقد “أقامت الجماهير الشعبية على نفسها وأقامت مقام نفسها ” سلطة حكم ذاتي للبرجوازية في الوقت الذي تقدم فيه أغلى التضحيات دون ان تدرك، وفي هذا حالة رهيبة من الاغتراب.”

(عادل سمارة، الرأسمالية الفلسطينية من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال، منشورات مركز الزهراء للدراسات والأبحاث، 1991، ص ص 294-95)

كان لهذا ثمنه ولم يتوقف دفعي للثمن. وفيما يخص إيران، فقط للتذكير ذات يوم تحدث خامنئي وهاجم صدام بدون مبرر حينها فجامله الشهيد حسن نصر الله بهجوم أوسع، فكتبت ردا عليه ملخصه أن وضعك أعلى من هذا التورط التابع، وبالطبع هاج البعض ورد عليهم الشرفاء.

لذا لم استغرب من هاجت عضلاتهم، لا عقولهم، ضد نقدي لإيران، فكيف لو عرفوا أن صحافة سعودية استخدمت نقدي لعزمي بشارة، وفعلت كذلك فضائية مصرية!

وأضيف هنا، أن إحدى كوارث العروبة هي الصحوات السنية والشيعية التي ولدت الدينسياسي كإيديولوجيا طائفية وفي مؤتمرات ما يسمى العالم الإسلامي التي حضرتها أل 57 نظام ومؤسسة تابعة شطبوا جميعاً، نعم أجمعين، كلمة “الجهاد” بوضوح، وهذا مقصود به اساساً الجهاد في فلسطين، وعل من يهتم أن يبحث ولا ينعق. ويوم 11-11-2023 وعام 2024 بنفس التاريخ لم يجرؤ أل 57 نظاماً على نطق كلمة “الجهاد” من أجل غزة.

فيما يخص الطائفية والصحوات متوفر في كتابي القادم. (إسلام سياسي أم دينسياسي وطائفية لا إسلام)

لذا، فليكتب من أراد وأعود لعادتي في عدم الرد، ولكن إذا وسعني الوقت، فسأقوم بشطب القمامة وخاصة من كانوا مع سوريا، افراد، مثقفين كطفيليين، أحزاب وأنظمة وبعض المحور وكثير منهم بعد احتلالها تجولنوا.

هامش: هناك عبارة مألوفة في فلسطين توظف ضد النقد وهي “يا عمِّي مش وقتو”!  والمقصود لا تنتقد.

لا يستقيم النقد ولا يُخصب إلا في ساعة الضرورة.

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….