- متابعة: دور الصهيونية المسيحية في تحول الصهيونية من “فكرة دينية” … إلى “مشروع استعماري – استيطاني“
- الدور العملي للصهيونية المسيحية في دعم الإمبريالية
(أو كيف وصلت الفكرة الصهيونية إلى مراكز صناعة القرار السياسي)
تناولنا في الفصول السابقة الجذور اللاهوتية للحركات بروتستانتية، ولا سيما إنجيلية، التي دعت إلى تحقيق الوعود التوراتية المتعلقة بعودة اليهود إلى “أرض إسرائيل”، إضافة إلى أساطير “الشعب المختار” و”أرض الميعاد” وغيرها من الأساطير حول اليهود. كما عالجنا آثارها على نظرة الغرب إلى اليهود، وترسيخ هذه النظرة في الوعي والوجدان الجمعي الغربي، وهو ما لعب دورًا بارزًا في دعم الصهيونية السياسية اليهودية لاحقًا ومشروعها الاستيطاني في فلسطين.
في هذا الفصل ننتقل إلى مناقشة تقدم الصهيونية المسيحية من فكرة دينية لاهوتية، إلى دورها العملي في صياغة السياسات الغربية حيال فلسطين ودعم المشروع الاستيطاني اليهودي فيها.
▪️▪️▪️
لا يمكن النظر إلى السياسات الراهنة للقوى الغربية الإمبريالية حيال فلسطين والمشرق العربي دون العودة إلى دور الصهاينة المسيحيين في دعم المساعي الاستعمارية الغربية منذ بداية القرن التاسع عشر. ونخص بالذكر بريطانيا والولايات المتحدة، ما تجسد في المحصلة في تصاعد نفوذهما الاستعماري في بلادنا، وصولاً إلى تطورات القرن العشرين وما بعد الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني لفلسطين (1918) وقرار عصبة الأمم ب “انتدابها”.
لقد اتسمت استجابة الصهيونية المسيحية للنبوءات التوراتية والدعوة لتحقيقها خلال القرن التاسع عشر، بتوجهها نحو الممارسة العملية وتطورها السياسي والتنظيمي، ما ميّزها عن سابقتها. وبحلول أربعينيات القرن التاسع عشر، كانت جهود الصهيونية المسيحية قد تنامت وانتظمت في هياكل دينية وطورت مشاريع تجارية وسياسية ومالية، مثل تأسيس “جمعية يهود لندن” عام 1809، وغيرها من الجمعيات المماثلة ونشاطاتهم التبشيرية والسياسية في بريطانيا والولايات المتحدة. والأهم أنها (الصهيونية المسيحية) نسجت علاقات سياسية مكّنتها من التأثير في سياسات حكوماتها
كيف وصلت الفكرة الصهيونية إلى مراكز صناعة القرار السياسي
تطور النفوذ السياسي للصهيونية المسيحية وتغلغلها في المؤسسات الحكومية، بشكل خاص في بريطانيا في القرن التاسع عشر، قبل ظهور الصهيونية اليهودية (الحركة الصهيونية التي أسسها ثيودور هرتسل عام 1897)، ما ساهم في جعل “عودة اليهود” وغيرها من النبوءات التوراتية مقبولة سياسيًا في بريطانيا.
خلال القرن التاسع عشر، روّج مفكرون وسياسيون بروتستانت بريطانيون، مثل اللورد شافتسبري، لفكرة عودة اليهود إلى فلسطين، وقد تركت أفكاره تأثيرًا كبيرًا على اللورد بالمرستون الذي أصبح رئيس وزراء بريطانيا عام 1855، ويرى بعض المؤرخين أن بالمرستون استجاب لضغوط شافتسبري، لكن دوافعه كانت سياسية وإستراتيجية مختلفة عن دوافع شافتسبري الدينية.
كان اللورد شافتسبري من أوائل الداعمين البريطانيين لفكرة “إعادة” اليهود إلى فلسطين”، انطلاقاً من معتقداته المسيحية المتعلقة بالنبوءات التوراتية، ولكن الأهم أنه لعب دورًا عمليًا هامًا في دخول الصهيونية المسيحية إلى الدوائر الحكومية البريطانية.
صحيح أن شافتسبري كان مشبعًا بمبادئ “المجيء الثاني للمسيح”، ولكنه دوره لم يتوقف عند العقيدة الدينية، بل تمكن من تحويل قناعاته الدينية إلى إطار وفعل سياسييْن، منطلقًا من 1) قناعته بأن المجيء الثاني يشكّل تنفيذًا للإرادة الإلهية، و2) من رؤيته للمصالح البريطانية في المنطقة. وبهذا يكون شافتسبري قد قدّم تبريرًا دينيًا وأخلاقيًا للسياسات الاستعمارية البريطانية.
بناءً عليه، يمكننا القول إن شافتسبري الذي كان مدفوعًا، ولو جزئيًا، بدوافع دينية، ولكنه في خلفية هذه الدوافع كان متشابكاً مع السياسات الاستراتيجية البريطانية. ومن هنا أسهم في تحول الصهيونية المسيحية من فكرة لاهوتية تتحقق فيها الإرادة الإلهية، إلى مخططات سياسية. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر دخلت هذه الأفكار إلى حيز المؤسسات السياسية وصناعة القرار السياسي، في وقتٍ أصبحت فيه بريطانيا القوة الاستعمارية المهيمنة في فلسطين والمشرق العربي، ما تجسد لاحقًا، إبّان الحرب العالمية الأولى في اتفاقية سايكس – بيكو (1916) ووعد بلفور (1917) واحتلال فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى (ما سُمي ب “الانتداب البريطاني”).
كان من أبرز إنجازات شافتسبري أنه تولى رئاسة “جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود”، وأسس شبكات داعمة له في شتّى أنحاء المجتمع البريطاني، ما أسهم في التوسع التجاري الاستعماري وانتشار البعثات الدينية وخلق “اقتصاد سياسي إنجيلي”.[1] وقد أرست هذه الشبكات أنماطًا من الدعم كان من شأنها أن تؤثر في مواقف الأحزاب السياسية البريطانية تجاه فلسطين والاستيطان اليهودي فيها، وتعاظم نفوذ الصهيونية المسيحية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، في مجمل السياسة البريطانية حيال فلسطين ومشروع “الدولة اليهودية” فيها.
دور الشبكات التبشيرية البروتستانتية
أولاً: النشاط التبشيري
أخذت الكنائس البروتستانتية الغربية، منذ القرن السادس عشر، بتأسيس بعثات تبشيرية في العديد من بلدان أفريقيا وآسيا والأميركيتين، ولكن فلسطين وسورية الكبرى كانتا من أهم هذه البلدان التي أولتها البروتستانتية أهمية خاصة في مخططاتها وبرامجها.
فعلى المستوى البريطاني، تمّ تنظيم العديد من المنظمات التبشيرية الإنجيلية، وانتشرت هذه المنظمات في مختلف أنحاء بريطانيا والأراضي الخاضعة للاحتلال البريطاني. ومن هذه المنظمات، نذكر على سبيل المثال، “جمعية تبشير الكنيسة” Church Missionary Society (التي تأسست عام 1799) و”جمعية لندن التبشيرية” London Missionary Society (تأسست عام 1795).
أمّا على مستوى العمل في فلسطين، فقد نشط العديد من هذه الجمعيات متخذةً شكل المنظمات الدينية التبشيرية (التبشير بالديانة المسيحية)، غير أن نشاطاتها شملت، بالإضافة إلى التبشير، التعليم والثقافة والطباعة والطب، فأنشأت مدارس وكنائس ومرافق تعليمية ومراكز طبية وغيرها، ما منحها علاقة وثيقة بالسكان المحليين في البلدان المستعمَرة.
وهكذا، وعلى الرغم من الغطاء الديني الذي لبسته هذه المنظمات، إلاّ أنها لعبت دورًا هامًا تجاوز العمل التبشيري الديني، وقامت بمهام ثقافية وسياسية أسهمت في التأسيس لدعم المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين خلال القرن التاسع عشر وما بعده (وعد بلفور واحتلال فلسطين في القرن العشرين):
□ نشر الأفكار الواردة في التوراة حول عودة اليهود إلى “ارض إسرائيل” كتحقيق “للإرادة الإلهية”، ما ساعد في خلق فكرة “فلسطين التوراتية”، التي أسهمت في تشكّل الأرضية الدينية الأساسية لتبرير المصالح الاستعمارية للإمبراطورية البريطانية.[2]
□ التحول من التركيز على البعد الديني البحت، إلى الأنشطة والممارسة العملية في “حماية اليهود” وتعزيز هجرتهم إلى فلسطين ووجودهم فيها، مثل “جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود”، سابقة الذكر والتي تأسست عام 1809 والمعروفة أيضًا باسم “جمعية يهود لندن”.[3]
□ العمل على إقامة “علاقة” بين العرب واليهود في فلسطين.
□ كما لعبت هذه البعثات دورًا فعّالاً في تأسيس أسقفية إنجيليكانية في القدس في منتصف القرن التاسع عشر.
ثانيًا: الطابع الثقافي
(الإمبريالية الثقافية)
لم ينحصر عمل هذه البعثات في تبرير الحملات الاستعمارية التوسعية، بل اتخذ في كثير من الأحيان طابعًا ثقافيًا إمبرياليًا ما زلنا نشهد تأثيراته على المجتمعات المستعمَرة وثقافتها حتى يومنا هذا، ومنها بالطبع مجتمعاتنا العربية. وحتى عندما كان المبشرون ينتقدون بعض الممارسات الاستعمارية، ظل عملهم يسهم في التحول الثقافي وإضفاء الطابع الأوروبي على المجتمعات المستعمَرة. فعلى سبيل المثال، كان المبشرون في كثير من الأحيان، يعيقون ممارسة الشعائر الدينية أو استخدام اللغات المحلية أو اتباع الأعراف الاجتماعية والعادات الخاصة بسكان المستعمرات الأصليين. كما كانت المدارس التبشيرية تُدرّس التاريخ الأوروبي وأنماط اللباس والمعايير والأفكار حول الأسرة والتنظيم الاجتماعي في المجتمعات الغربية. لذا، نحى بعض المؤرخين إلى توسيع مفهوم الإمبريالية ومشاريعها لتشمل ما يمكن تسميته ب “الإمبريالية الثقافية”.
ثالثًا: المهمة الاستخباراتية للبعثات التبشيرية
أمّا الوظيفة الأخطر للمنظمات التبشيرية، فقد تمثّلت في البعد الاستخباراتي لنشاطاتها. فبالإضافة إلى النشاطات التبشيرية الدينية والثقافية، انخرطت هذه الشبكات في جمع المعلومات عن الأوضاع المحلية في فلسطين وسورية الكبرى لاستخدامها في مشاريعها وغاياتها الاستخبارية:
□ تضمنت هذه الأنشطة تقارير حول الأوضاع المحلية بما فيها التركيبة الدينية والطائفية والأوضاع الديمغرافية والاجتماعية والسياسية ومراكز النفوذ السياسي في المجتمع العربي.
□ والمهم في هذا الأمر، أن هذه المنظمات وفرت معطيات لم تكن متاحة للقوى الاستعمارية الغربية والقنوات الدبلوماسية الرسمية، وذلك من خلال إقامة علاقات وثيقة مع السكّان المحليين، إذ انخرطت هذه الشبكات في الحياة اليومية والعامة في فلسطين من خلال المدارس والمستشفيات والكنائس والمؤسسات الدينية والأنشطة الثقافية والتعليمية وغيرها.
□ عملت هذه المنظمات بالتنسيق مع البعثات الدبلوماسية الغربية وغيرها من المؤسسات مثل “صندوق استكشاف فلسطين” الذي تأسس عام 1865، على تزويد حكوماتها بمعلومات واسعة وشاملة حول أوضاع الإمبراطورية العثمانية ووهنها وتنامي إفكار وإرهاصات القومية العربية، بالإضافة إلى تقارير شاملة حول الأوضاع المحلية في فلسطين وإمكانات الاستيطان اليهودي فيها.
□ لم تقتصر هذه المعلومات على الحكومة البريطانية، بل حافظت هذه الشبكات على علاقات وثيقة ومستمرة مع الصناعيين والساسة في الولايات المتحدة، نذكر منهم، على سبيل المثال، وليم بلاكستون Willian Blackstone وجون روكفلر John Rockefelle .
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/
[1] روبرتو مازا: “الحملة الصليبية الأخيرة والصهاينة الأوائل: الدين والإمبراطورية وصناعة فلسطين الحديثة”، في دورية “الاستغراب”، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية، العدد 43، صيف 2026، العراق، ص 20.
[2] المرجع السابق ص 14 – 51.
[3] المرجع السابق، ص 19 و20.
