أذربيجان بين مطرقة إيران وسندان روسيا: مغامرات علييف وخطايا باكو الإقليمية

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

16 يوليو 2025

تمهيد: باكو بين الخطيئة والعقاب

لم تعد أذربيجان كما كانت قبل سنوات قليلة فقط. فمنذ النصر السريع الذي حققته في إقليم قره باغ، وتحت تأثير نشوة الإنتصار، بدأت باكو تنسج سياسة خارجية هجومية متهورة، لا تأخذ في الحسبان الوزن الحقيقي للدولة في التوازنات الإقليمية، ولا تراعي تعقيدات الجغرافيا السياسية التي تحيط بها. وفي ظل قيادة إلهام علييف، إتخذت البلاد مسارًا تصعيديًا تجاه أهم شريكين لها: إيران وروسيا، وكأنها تظن أن الدعم الغربي – أو حتى الإسرائيلي – يمكن أن يعوضها عن فقدان العمق الإستراتيجي. لكن الحقائق على الأرض، كما يشير إليها رومان سكوموروخوف، الكاتب والمحلل السياسي والعسكري الروسي، في مقال نشره في موقع Military Review في 8 يوليو/تموز الجاري، لا ترحم من يخالف منطق الجغرافيا والتاريخ.

أولاً: الطائرة الإسرائيلية التي كشفت المستور

في 5 يوليو 2025، أسقطت إيران طائرة مسيّرة من طراز “Orbiter” الإسرائيلية الصنع، داخل أراضيها وتحديدًا في محافظة أردبيل الحدودية مع أذربيجان. وفقًا للمصادر الإيرانية، فقد تم إسقاط الطائرة بإستخدام وسائل الحرب الإلكترونية، وهو ما يدل على تطور قدرات إيران الدفاعية في هذا المجال.

لكن السؤال الذي طرح نفسه بقوة لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا: ما الذي كانت تفعله هذه الطائرة قرب الحدود الأذرية؟ ومن أين أقلعت؟

من المعروف أن شركة Aeronautics Defense Systems الإسرائيلية وقّعت في عام 2009 إتفاقية مع أذربيجان لإنشاء مصنع لإنتاج هذا النوع من الطائرات، وبدأ مصنع AZAD Systems Co الإنتاج فعليًا في عام 2011. ما يعني أن الطائرة التي أسقطتها إيران، رغم منشأها الإسرائيلي، قد تكون قد صُنعت – أو حتى أُطلقت – من داخل الأراضي الأذرية.

فكما تساءل سكوموروخوف في مقاله: “لمن تعود هذه الطائرة المسيرة؟”

سؤال بمليون دولار، إجابته تقود إلى إحتمالات أكثر خطورة من مجرد عملية إستطلاع فاشلة.

ثانيًا: إتهامات إيرانية ومؤشرات على التعاون مع إسرائيل

الإتهام الأكثر خطورة جاء من علي نيكزاد، النائب الأول لرئيس البرلمان الإيراني، الذي حمّل أذربيجان مسؤولية الضربة التي أودت بحياة الضابط الإيراني محمد حسين أزار، إثر هجوم بطائرة إنتحارية من طراز “هاروب” – طائرة إسرائيلية لا يمكنها أن تصل من إسرائيل إلى عمق إيران، إلا إذا كانت قد أُطلقت من مكان أقرب… كأذربيجان.

رد باكو لم يكن بالنفي الهادئ، بل بالشتائم والإساءات العلنية، تمامًا كما فعلت تجاه موسكو سابقًا. لكنها لم تدرك أن ما قد يُغتفر في العلاقات مع القوى الكبرى، يصبح خطيئة مميتة عندما يكون الخصم هو إيران.

ثالثًا: التهور الجيوسياسي لباكو في ظل توازنات دقيقة

إن فتح باكو لجبهة عدائية مزدوجة مع طهران وموسكو يُعد ضربًا من الحماقة السياسية. فالدول التي ترتبط بعلاقات طيبة وإتفاقيات نفطية وتجارية مع هاتين العاصمتين لا تتصرف بهذه الطريقة. كما يشير سكوموروخوف: “منذ أكثر من مائة عام، أصبح واضحًا أن الحروب على جبهتين لا تُربح. بل تُخسر، سواء كانت سياسية أو إقتصادية أو عسكرية.”

لكن يبدو أن علييف قد أصيب بعدوى “دوخة الإنتصارات”، وأنه يظن أن الغاز الأذري كافٍ لحمايته من سخط الكبار.

رابعًا: نفوذ موسكو الإقتصادي كأداة ضغط هائلة

بعيدًا عن الصواريخ والتهديدات العسكرية، تمتلك روسيا أسلحة ناعمة لكنها فعالة، أبرزها الإقتصاد. فحجم التجارة بين موسكو وباكو عام 2024 بلغ 4.8 مليار دولار، 75٪ منها صادرات روسية إلى أذربيجان، تتنوع بين النفط الرخيص، والمعادن، والحبوب.

 “إذا قررت روسيا تعزيز الرقابة الصحية على المنتجات الزراعية أو فرض حظر مؤقت، فسيكون تأثير ذلك أقوى من القصف”، كما قال سكوموروخوف، مستشهدًا بما عُرف بـ”حرب الطماطم” مع تركيا عام 2015.

والأسوأ من ذلك: التحويلات المالية من الجالية الأذرية في روسيا، والتي تضاعفت 5 مرات منذ 2022، تمثل شريان حياة لإقتصاد باكو. قطع هذا الشريان بضربة واحدة يعني حرمان الدولة من أكثر من 600 مليون دولار سنويًا.

خامسًا: غربة الجاليات وإزدواجية الولاء

رغم ما تبنيه الدولة الأذرية من أسواق وجاليات في روسيا، فإن هذه الجاليات أقرب في إنتمائها لروسيا منها إلى وطنها الأم. أحد أعيان الجالية قال بصراحة: “إذا زرتهم ضيفًا، سيرحبون بي. لكن إن أردت فتح شركة في سوق البناء، حتى أقاربي سيمنعونني. سيقولون لي: إعمل في روسيا، ودعنا نعمل هنا.”

هذا الإنفصام بين الداخل والخارج يُظهر هشاشة المشروع القومي الأذري الذي يحاول علييف فرضه بالقوة والمال والدعاية.

سادسًا: أخطاء إستراتيجية قد لا تُغتفر

السياسة التي تنتهجها باكو منذ سنوات، خاصة في مجال الطاقة، كانت ولا تزال تضعها في موقع الخصومة مع موسكو، بدءًا من الإنسحاب من مشروع “نابوكو”، وصولًا إلى مدّ الغاز عبر TANAP إلى أوروبا، مما ساعد على تخفيف الإعتماد على الغاز الروسي.

لكن هذه الإستقلالية الإقتصادية لم تترافق مع نضج سياسي في التعامل مع القوى الكبرى. وكما يحذر الكاتب: “إذا كان التطور الذي تظهره باكو موقفًا واعيًا ومخططًا، فلا يسعنا إلا أن نرفع أيدينا… أما إذا كان إندفاعًا غير محسوب، فالثمن سيكون باهظًا.”

سابعًا: ماذا بعد؟ سيف الروبل أم سوط الطائرات؟

رغم كل التصعيد، لا يدعو أحد اليوم لضرب باكو عسكريًا. لكن البدائل الإقتصادية والمالية ستكون كفيلة بتأديبها. فكما يقول سكوموروخوف:

 “يجب قطع العقدة الباكوية بالروبل، لا بالسيف. الروبل، كما تعلمون، يقطع لا أسوأ من طائرات جيران.”

وبين المطرقة الإيرانية وسندان روسيا، لا تملك أذربيجان رفاهية الخطأ مرة أخرى.

خاتمة: ساعة الحساب تقترب

في نهاية المطاف، لا يبدو أن موسكو أو طهران في عجلة من أمرهما. لكن ما تُجمع عليه كل المؤشرات هو أن أذربيجان قد دخلت في مغامرة إقليمية أكبر من قدرتها على التحمل. والرهان على التحالفات البعيدة لا يغني عن حتمية الجغرافيا. وإذا لم تتدارك القيادة الأذرية الموقف، فسيكون الثمن سياسيًا واقتصاديًا وربما وجوديًا.

 “حان وقت التوبة والاعتذار لباكو… طالما أن السياسيين يتحدثون، وخلفهم الروبل والريال، وليس ‘شاهد’ و’جيران’ – فلا يزال هناك وقت”، يختم الكاتب.

لكن إلى متى؟

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….