سعيد محمد – لندن
بني تشكّل الهوية الإسلامية عبر مسارٍ تاريخيٍّ مادّيٍّ متدرّجٍ ارتبط بصعود الدولة الأموية بوصفها دولةً إمبراطوريةً، لا عبر لحظةٍ روحيةٍ معزولةٍ خارج شروط التاريخ.
البدايات تبلورت داخل فضاءٍ توحيديٍّ سائلٍ في عالمٍ كتابيٍّ مشتركٍ، ثم أفرزت الفتوحات طبقةً حاكمةً احتاجت منظومة إدارةً قبل أن تتطلب عقيدةً صلبةً. مع دمشق الأموية—وخاصةً في عهد عبد الملك بن مروان—تحوّلت الدولة إلى مُنتِجٍ للأيديولوجيا عبر العملة والعمارة واللغة، فصاغت هيمنةً ثقافيةً غرامشيةً وأعادت إنتاج الشرعية بمنطقٍ ألتوسيريٍّ. هكذا تبلور الإسلام كهويةٍ دينيةٍ–سياسيةٍ إمبراطوريةٍ بين 620 و750م، بوصفه نتاجاً تاريخيّاً لصراع السلطة والدولة.
مقدمة: الدين بوصفه علاقةً اجتماعيةً تاريخية
السرديات الشائعة عن نشأة الإسلام تُقدّم الدين كحقيقةٍ روحيةٍ مكتملةٍ انفجرت دفعةً واحدةً في لحظةٍ تأسيسيةٍ نقيةٍ، ثم انتشرت بوصفها رسالةً متعاليةً على شروطها المادية. أمّا القراءة النقدية الماركسية فتنطلق من أفقٍ مختلفٍ جذريّاً: الأديان أشكالٌ تاريخيةٌ للوعي الاجتماعي تتشكّل داخل صراعات السلطة، وأنماط الإنتاج، وبُنى الدولة.
من هذا المنظور، يُقرأ القرن السابع الميلادي بوصفه زمن تحوّلٍ إمبراطوريٍّ عميقٍ: انهيار قوى قديمةٍ، وصعود قوىً جديدةٍ، وإعادة توزيعٍ للثروة، وتشكّل جهاز دولةٍ يبحث عن أيديولوجيا تُشرعن حكمه. الهوية الدينية هنا وظيفةٌ سياسيةٌ بقدر ما هي إيمانٌ فرديٌّ.
ما شهده الشرق بين 620 و750م يمثّل مسار تشكّل هويةٍ إسلاميةٍ أمويةٍ بوصفها منتجًا تاريخيّاً لصعود دولةٍ عربيةٍ توسعيةٍ تسعى إلى شرعيةٍ وإلى لغةٍ رمزيةٍ قادرةٍ على توحيد مجتمعٍ متعدّد الأعراق والأديان تحت سلطةٍ مركزيةٍ واحدةٍ.
أولاً: السيولة التوحيدية بوصفها مرحلةً ما قبل الدولة المتمايزة
في العقود الأولى من القرن السابع، يظهر العرب في الشهادات المسيحية واليهودية المبكرة كحركةٍ توحيديةٍ داخل فضاءٍ دينيٍّ مشتركٍ، أكثر مما يظهرون كدينٍ منفصلٍ ذي جهازٍ مؤسسيٍّ خاصٍّ. هذه السيولة تعبّر عن غياب دولةٍ مركزيةٍ قادرةٍ على فرض هويةٍ رسميةٍ واحدةٍ.
من زاويةٍ ماركسيةٍ، تُقرأ هذه المرحلة كطورٍ ينتشر فيه وعيٌ دينيٌّ غير متبلورٍ، يتداخل مع تقاليد يهوديةٍ ومسيحيةٍ غير خلقيدونيةٍ—الأقرب إلى خطابٍ توحيدي ناقد لتأليه المسيح بصيغة مجمع خلقيدونية عام 451م— مع حركات احتجاج محليةٍ ضد الكنيسة الإمبراطورية. الوعي هنا مرنٌ لأن البنية المادية ما زالت مفتوحةً: جهاز دولةٍ موحّدٍ في طور التكوّن، واقتصاد سياسيٌّ عربيٌّ مستقلٌّ قيد التشكل، وطبقةٌ حاكمةٌ تبحث عن أيديولوجيا صلبةٍ بدل أن تمتلكها مسبقاً.
التوحيد في هذه اللحظة يعمل كلغة احتجاجٍ أخلاقيٍّ عامةٍ ضد الإمبراطوريات القديمة، أكثر مما يعمل كبرنامج حكمٍ محددٍ. إنه تعبيرٌ ثقافيٌّ عن اضطراب النظام الإمبراطوري، لا دستور دولةٍ جاهزةٍ.
ثانياً: الفتوحات وصعود طبقةٍ حاكمةٍ جديدةٍ
مع توسّع الفتوحات بين 640 و660م، تتشكّل طبقةٌ حاكمةٌ عربيةٌ عسكريةٌ–إداريةٌ تسيطر على موارد هائلةٍ: أراضٍ زراعيةٍ، وطرق تجارةٍ، ومدنٍ كبرى، وضرائبٍ.
في هذه المرحلة، الدولة الناشئة تركّز على الإدارة أكثر من اللاهوت. التعايش العملي مع المسيحيين واليهود يعكس حاجة الدولة إلى استقرار الإنتاج والجباية، إذ تنتفي المصلحة المادية في فرض هويةٍ دينيةٍ صلبةٍ قد تُعطّل الاقتصاد أو تُفجّر مقاومات محليةً.
من منظورٍ ماديٍّ، تسبق البنية التحتية الاقتصادية البنية الفوقية الأيديولوجية. جهاز الحكم يتبلور أولًا، ثم تتبلور العقيدة الرسمية لاحقاً. الدولة تصنع الدين في مرحلة لاحقة بدل أن يصنع الدين الدولة منذ البداية.
ثالثاً: دمشق الأموية وبداية إنتاج الأيديولوجيا الرسمية
مع اتخاذ دمشق عاصمةً، يدخل المشروع العربي طور الدولة الإمبراطورية، وتتبدّل الحاجة البنيوية: المطلوب توحيد فضاءٍ سياسيٍّ مترامي الأطراف تحت هويةٍ رمزيةٍ مشتركةٍ، لا الاكتفاء بإدارة مناطق مفتوحة.
من زاويةٍ ماركسية، هذه لحظة انتقالٍ من سلطةٍ عسكريةٍ–جبائيةٍ إلى سلطةٍ أيديولوجيةٍ. الدولة تبدأ بإنتاج معنىً، ورموزٍ، وخطابٍ يبرّر السيادة ويصوغ ال”نحن” مقابل “هم”.
ثلاثة عناصر بنيوية تدفع هذا التحوّل:
- المنافسة الإمبراطورية مع بيزنطة: صراع شرعيات بقدر ما هو صراع عسكريٍّ؛ كل إمبراطوريةٍ تحتاج “عقيدة دولةٍ”.
- تعريب الإدارة: اللغة العربية تتحول إلى أداة سيطرة ثقافية وإلى وسيلة لإنتاج وعي جماعيٍّ جديد.
- مركزة القرار السياسي: المركز الدمشقي يتيح تصنيع أيديولوجيا موحّدةٍ بدل التعددية المحلية الفوضوية.
في تلك المرحلة بدأت الهوية الدينية بالتحوّل من انعكاسٍ ثقافيٍّ فضفاض إلى أداة حكم منظّمةٍ.
رابعاً: عبد الملك بن مروان — الدولة بوصفها مصنع الأيديولوجيا
تمثل الفترة بين 685 و705م لحظة “التحوّل النوعي” في المنظور الماركسي: الدولة الأموية تنتقل من إدارة الإمبراطورية إلى إنتاج الأيديولوجيا الإمبراطورية.
1- العملة كأداة هيمنةٍ رمزية
سكّ العملة يمثّل إعلان سيادةٍ بقدر ما هو إجراء تقنيٍّ. فحين تُمحى الصور البيزنطية وتُستبدل بكتاباتٍ توحيديةٍ عربيةٍ، تتحول السوق إلى فضاءٍ دعائيٍّ دائمٍ. الاقتصاد هنا يتداخل مع الدين، والدين يُسَكّ في المعدن ويُتداول مع كل معاملة تجاريةٍ.
بمعنىً ماركسيٍّ واضحٍ: البنية التحتية الاقتصادية تسند البنية الفوقية الأيديولوجية فوقها.
2- قبة الصخرة كعمارةٍ أيديولوجية
قبة الصخرة نصبٌ سياسيٌّ ضخمٌ يعلن تفوّق الدولة الأموية على الإمبراطورية المسيحية، لا محض معبد روحيّ للتعبد. والنقوش التي تنتقد تأليه المسيح تعبّر عن صراعٍ بين دولتين على احتكار الحق المقدّس في الحكم، لا عن جدلٍ لاهوتيٍّ مجردٍ. العمارة خدمت هنا كجهاز أيديولوجيّ صامت يحوّل الفضاء المقدّس إلى مسرحٍ لشرعنة السلطة الجديدة.
خامساً: من حركة المؤمنين إلى هوية الدولة
بعد عبد الملك، تتصلّب الهوية. فالجماعة التي كانت فضفاضةً تتحول إلى “إسلامٍ” بوصفه اسماً سياسيّاً–دينيّاً. هذا التحول ينشأ مع تشكّل دولة طبقية مركزيةٍ تحتاج إلى خطابٍ يبرّر الامتيازات والتراتبية، والسيطرة على الموارد.
الإسلام هنا يتبلور بوصفه لغة وحدةٍ سياسيةٍ، وأداة تمييزٍ هويّاتيٍّ، وآليةً لضبط المجتمع تحت سلطة واحدةٍ.
الحدود بين الأديان تتشكّل بقدر ما تتشكّل بسبب ضرورات الحكم الإمبراطوري، لا بسبب الاختلافات اللاهوتية التفصيلية وحدها.
وهنا يصبح التأخر النسبي في ظهور الكتابات العربية المنهجية عن الإسلام — لأكثر من قرن — مفهوماً في سياقه التاريخي بدل أن يكون لغزاً. ففي مرحلة السيولة الأولى، حين كانت الهوية مرنة والدولة في طور التكوّن، لم تتولّد بعد حاجة مؤسسية إلى تدوين سردية دينية معيارية. أمّا مع لحظة عبد الملك وما تلاها، حين تحوّلت الدولة الأموية إلى منتِج للأيديولوجيا، فقد أصبحت الكتابة جزءًا من جهاز الشرعنة ذاته: وسيلةً لتثبيت الذاكرة، وضبط المعنى، وتوحيد الجماعة تحت خطاب رسمي واحد.
سادساً: الذاكرة التاريخية وإعادة إنتاج الشرعية
مع اقتراب نهاية العصر الأموي، تُعاد كتابة الماضي بالكامل بحيث تبدو الهوية الإسلامية وكأنها واضحةٌ منذ البداية. هذه العملية إنتاجٌ أيديولوجيٌّ للذاكرة يخدم استقرار السلطة اللاحقة.
من زاويةٍ ماركسيةٍ، التاريخ يُروى بما يفيد الطبقة الحاكمة أكثر مما يُروى كما حدث فعليّاً؛ إسقاط التمايز المتأخر على البدايات يعمل كآليةٍ لشرعنة الحاضر.
سابعاً: الجذور اليهودية–المسيحية بوصفها مادةً خامّاً أيديولوجيةً
الفضاء المبكر المشترك بين اليهودية والمسيحية غير الخلقيدونية والعرب التوحيديين لا يعني أن الإسلام “نسخةٌ” من أحدهما. الأدق ماركسيّاً أن هذه التقاليد شكّلت مخزونًا ثقافيّاً أعادت الدولة الأموية صياغته داخل إطارٍ جديدٍ يخدم مشروعها الإمبراطوري.
ما كان مشتركاً ثقافيّاً لأهل المنطقة صار ملكيةً رمزيةً للدولة بعد إعادة تأويله سياسيّاً.
ثامناً: الدولة كمنتِجٍ للوعي الديني
الدرس المركزي من هذه القراءة: الدولة لا تكتفي باستخدام الدين؛ إنها تصنعه تاريخيّاً: العملة تصنع الوعي الاقتصادي–الديني، والعمارة تصنع الرموز المكانية المقدّسة وتجسد الشرعية، واللغة تشكّل الهوية الجمعية، والعاصمة تفرض مركزة المعنى.
الدين دائماً يتجسّد داخل علاقات القوة التي تنظّم المجتمع.
تاسعاً: تركيبٌ ماركسيٌّ شاملٌ ما بين 620 و750م
يمكن تلخيص مسار نشأة ” الإسلام” في أربع لحظات بنيويةٍ:
- فضاء توحيديٌّ بلا دولةٍ مركزيةٍ متمايزةٍ.
- صعود طبقةٍ حاكمةٍ عربيةٍ تحتاج منظومة إدارةً لا عقيدةً.
- الدولة الأموية تنتج أيديولوجيا لتبرير الهيمنة.
- “الإسلام” يتبلور كهوية دولةٍ إمبراطوريةٍ.
الدين هنا نتاج صراعٍ تاريخيٍّ، لا كشفاً ميتافيزيقيّاً معلّقاً في الهواء.
خاتمة: معنى هذه القراءة اليوم
إن قراءة نشأة الإسلام بهذه الطريقة تنقله من حقل القداسة المجردة إلى حقل التاريخ الملموس، حيث تتقاطع العقيدة مع الاقتصاد والسياسة والسلطة.
الأديان تتكوّن، وتتحوّل، وتستجيب لشروط التاريخ المادية. فهم الإسلام بوصفه نتاجاً تاريخيّاً يحرّره من الأسطرة، ويجعله مفهوماً بوصفه جزءاً من تجربةٍ حضاريةٍ مركّبةٍ تشكّلت داخل صراعاتٍ إمبراطوريةٍ حقيقيةٍ.
هذا المنظور يفتح أفقاً نقديّاً لفهم التقاطعات بين الأديان الإبراهيمية كتجارب تاريخيةً متداخلةً خرجت من عالمٍ سائلٍ ممتزج قبل أن تتمايز تحت ضغط الدولة والسلطة.
ما بين 620 و750م لا يظهر دينٌ مكتملٌ يولد فجأةً؛ بل ثمة مسارٌ طويلٌ من السيولة إلى التبلور، كانت فيه الدولة الأموية في دمشق المحرّك الحاسم الذي حوّل حركةً توحيدية فضفاضةً إلى هويةٍ دينيةٍ–سياسيةٍ إمبراطوريةٍ باسم “الإسلام”.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
