قليلة هي الكتابات والدراسات الاجتماعية عن اليهود العرب في مرحلة ما بعد زيارة السادات للقدس في نوفمبر 1977، فلم نقرأ على سبيل المثال إحصائيات دقيقة عن الذين هاجروا إلى إسرائيل، والذين بقوا، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشون في ظلها منذ ذلك التاريخ الفاصل في مجرى الصراع العربي الصهيوني، واللافت للانتباه أن أزمة عدم الاهتمام باليهود العرب تلك تمتد إلى المرحلة السابقة على 1977(1)، وإن استفحلت نتائجها في السنوات التالية لهذا التاريخ.
في هذه الدراسة يحاول الباحث أن يتناول الوجود اليهودي – العربي من زاوية محددة تعد في تصوره من أهم زوايا التحليل لأوضاع اليهود بعد زيارة القدس، واتفاقات كامب ديفيد عام 1979، وهي زاوية منهج التعامل العربي (الرسمي والشعبي) مع هذا “الوجود” كيف كان؟ ووضعيته اليوم، وكيف ينبغي أن يكون؟
هو منهج يتعدى الطرح النظري لأساليب التعامل ليصل مباشرة إلى دراسة تطبيقية لهذا المنهج على الدولة صاحبة ذلك التاريخ الفاصل (ويقصد بها مصر)، كيف عاملت الوجود اليهودي في المرحلة التالية لزيارة القدس، وما هي حجم التغيرات التي تمت في مسار هذا التعامل ونوعية هذه التغيرات وأخيراً الدروس المستفادة من تجربة التعامل مع اليهود العرب المصريين في السنوات التالية لزيارة القدس، ويخرج من هذا الطرح إلى محاولة خلق تصور نظري لمنهج التعامل مع من تبقى من (اليهود العرب) في ضوء التطورات الأخيرة لقضية الصراع العربي – الصهيوني.
هذا يعني تناول موضوع البحث عبر ثلاثة مستويات:
1 ونبرز فيه: لماذا أثارت مسألة التعامل مع اليهود العرب في المرحلة التالية لزيارة القدس، وأهمية القضية اليوم.
2 نتناول فيه تجربة مصر مع الوجود اليهودي المصري بها، بأبعادها وآثارها ومعانيها.
3 نحاول فيه تقديم تصور نظري عام لمنهج التعامل مع اليهود العرب في المرحلة الراهنة.
فماذا عن هذه المستويات؟
المستوى الأول: لماذا منهج التعامل الآن؟
بعد أن تم للاستراتيجية الإسرائيلية ما تسميه بتحييد أهم القوى العربية المواجهة لها عسكرياً وسياسياً منذ زيارة رئيس هذه “القوة” مصر لها في نوفمبر 1977 وحتى اليوم، بدأت مرحلة جديدة في منطق جذبها لليهود العرب خارجها، والذين يُكوِنون مع اليهود الشرقيين ما تسميه إسرائيل، “باليهود السفارديم”، وهو منطق استند إلى جهازين أساسيين هما (المنظمة الصهيونية العمالية) “الهستدروت” و”المؤتمر اليهودي العالمي” بالإضافة إلى أجهزة الدعاية والإعلام الغربية التي تسيطر عليها القوى اليهودية، بل وتمتلك أغلبها، وكان منطق هذه الاستراتيجية الضغط الإعلامي المكثف والترويج لمزاعم تردي الأوضاع المعيشية والسياسية لليهود العرب كأحد أساليب الانتقام العربي من زيارة الرئيس المصري لإسرائيل، وساعد إسرائيل في ترويج هذه المزاعم التصعيد العام الذي عاشته قضية الصراع معها، والذي بلغ ذروته مع ضربها للمفاعل الذري العراقي في يوليو 1981، وغزوها للبنان وحصار بيروت عام 1982، ثم الحروب الستة على قطاع غزة وحتى حرب الإبادة لهذا القطاع (2023-2025) كل هذا يتم وهي مطمئنة للجار الأقوى – مصر – أنه لن يتحرك بمدافعه تجاهها، وكان طبيعياً أن تلقى هذه المزاعم عن اضطهاد وتعذيب اليهود العرب، آذانا صاغية، ومحاولات من قبل المنظمات الدولية لتسهيل ترحيلهم إلى إسرائيل، بل وساعد على ذلك أيضاً بعض الأحداث الفردية المعادية لليهود من قبل بعض المواطنين العرب في شمال أفريقيا حيث يتكثف الوجود اليهودي العربي.
هذا الضغط الإعلامي والتوجيه الفكري أدى إلى طمس حقيقة الأوضاع الجيدة والطبيعية التي يعيش في كنفها اليهود العرب، حتى في تلك البلاد القريبة من بؤرة الصراع كما في سوريا أو اليمن أو حتى لبنان، ونجحت الاستراتيجية الإسرائيلية في أن تمثل قوة جذب لليهود العرب طيلة السنوات الماضية حتى اليوم (2026) تلك هي النتيجة الهامة المستقاة من خبرة تلك السنوات، وهي نفسها التي تمثل نقطة البدء لتبرير ضرورة إعادة النقد لمنهج تعاملنا عربياً مع هذه القضية وهو المنهج الذي يؤخذ عليه اليوم:
أولاً: عاطفية المواقف وبناء التعامل كرد فعل على تصرفات دولة دخيلة على النسيج الحضاري العربي الذي ظل “اليهود العرب” جزءاً أصيلاً لا يتجزأ منه حتى 1977.
ثانياً: عدم القدرة على توظيف الوجود اليهودي العربي في خدمة قضية الصراع وترك هذا الوجود كماً مهملاً، مما سهل للاستراتيجية الصهيونية عمليات جذب وأساليب متقدمة أتاحتها ظروف الصراع بعد 1977.
ثالثاً: عدم استثمار مساحة ومرونة التغير الجمعي العربي في تعايشه التاريخي مع “اليهود العرب” وترك بعض المواقف الفردية لتصبغ هذا الضمير بألوان داكنة نجحت إسرائيل في إعادة توظيفها لصالحها وفق مخطط طويل المدى يهدف إلى تفريغ المنطقة العربية نهائياً من اليهود العرب.
في ضوء هذه المآخذ العامة على منهج التعامل العربي الحالي تجاه “اليهود العرب” تأتي أهمية دراسته وإعادة خلق التصور لأساليب ومنهج التعامل مع الوجود اليهودي العربي في المرحلة التالية لعام 1977 خاصة وأن المشروع الإسرائيلي للسيطرة على المنطقة العربية استطاع بعد هذا التاريخ أن يعظم دائماً مكونات قوته بحيث حقق مستوى من علاقات القوى والاستقلال تجاه حلفائه وتحديداً تجاه الولايات المتحدة، وينبغي أن ننتبه جيداً إلى نجاح هذا المشروع الإسرائيلي في استيعاب الفئات الصهيونية البالغة التنوع والانتشار وتوظيفها لمصلحة المشروع العام بصورة أو بأخرى… معنى هذا بصورة أخرى أن قضية الولاء المزدوج لدى أغلبية اليهود في عصرنا قضية باتت مشهورة، وهو قد يسعى في لحظة معينة لمحاولة توجيه النسق القومي الذي يعيش على أرضه إلى مصلحة الصهيونية الدولية “وإسرائيل في القلب منها” (2).
إذا علمنا كل هذا عن القصور العام لمنهج التعامل مع ما سمي بالوجود اليهودي العربي، وإدراك المشروع الإسرائيلي لقيمة هذا الوجود ووظيفته، لتَطَلب منا هذا أن نبحث في أحد النماذج العربية للتعامل مع “اليهود العرب”، وهو نموذج له خصوصيته وأهميته السياسية البالغة، لأنه “النموذج” الذي حدث على أرضه أهم التحولات في قضية الصراع منذ عام 1977 وحتى اليوم، ومن هذا النموذج في التعامل يمكننا أن نستشرف بعض الملامح الأساسية لمنهج تعاملنا – عربياً – مع الوجود اليهودي العربي، ونقصد بالنموذج هنا ” تجربة مصر” مع اليهود المصريين في زمن التطبيع.
المستوى الثاني:
تجربة مصر في التعامل مع اليهود المصريين بعد زيارة القدس 1977
انتهجت مصر بعد زيارة القدس عام 1977 إزاء اليهود المصريين سياسة جديدة نسبياً عما تعارف عليه المجتمع المصري في تعامله مع اليهود، تاريخياً وتميزت هذه السياسة بمنع العديد من الامتيازات والتسهيلات الاقتصادية والتجارية غير المبرمجة قومياً، مما أدى فيما بعد إلى كوارث شديدة الوطأة على البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع ككل من ناحية، وإلى إلحاق الضرر بالعلاقة التاريخية بين عناصر الجماعة الوطنية المصرية (المسلمين – المسيحيين) من ناحية أخرى.
فتاريخياً ظل اليهود المصريون عناصر فاعلة داخل النسيج المجتمعي – وليس خارجه – وضمن لهم المجتمع السياسي المصري في شقه “الرسمي” حقوقاً والتزامات دينية واقتصادية وتعليمية واسعة (3) على الرغم من شذوذ بعض اليهود من المصريين والأجانب وقت الاحتلال عن هذه القاعدة التاريخية وبأساليب متنوعة (4). ويكفي أن نعلم – تاريخياً – أنه كان لليهود معابدهم منذ قديم التاريخ وتحديداً بعد خروج موسى -عليه السلام- من مصر بألف عام، وكان أول معبد لهم في جزيرة “أبو” بأسوان، وبعد انقسام اليهود إلى “يهود إسرائيل”، ويهود “يهوذا”، واضطهاد الآشوريين لهم – كما تقول الوثائق الأولية التي عثر عليها منذ أعوام قليلة مضت في جزيرة الـ”الفنتيني” بأسوان – آواهم الشعب المصري، واحتضنهم (5) ولم يتعرض لهم إلا عندما” يتجاوزون الأعراف الوطنية.
تذكر كتب التاريخ أيضاُ أن اليهود بدأوا في إنشاء مدارسهم الخاصة منذ عام 1815، والتي بدأت بمدرسة واحدة بالقاهرة ما لبثت أن انتشرت ووصلت إلى عشرين مدرسة بأنحاء القطر المصري عام 1925، ولم تتعرض هذه المدارس يوماً لأي نوع من الضغوط السياسية أو الثقافية، على الرغم من أن برنامج هذه المدارس كان أوروبياً خالصاً ولغة التعليم الأساسية هي الفرنسية، وكانت الإنجليزية موضوعاً إجبارياً، ولذلك كان خريجو هذه المدارس لا يعرفون العربية جيداً، بينما كانت معرفتهم باللغة والثقافة الفرنسية لا تقل عن مستوى أي مواطن فرنسي له ثقافة مماثلة (6).
كان لليهود مجلاتهم وصحفهم التي لم يتعرض لها أحد بالمصادرة أو بالرقابة والحذف منها، على سبيل المثال: مجلة النهضة اليهودية التي أنشئت عام 1917، و”المجلة الصهيونية” التي أشرف عليها اليهودي المعروف في التاريخ المصري الحديث “ليون كاسترو” ثم “جاك موصيري” ودامت هذه المجلة خمس سنوات، ومجلة إسرائيل لأبناء اليهودية ومجلة “الفجر” التي صدرت باللغة الفرنسية، وكانت أوسع المجلات اليهودية انتشاراً منذ إنشائها عام 1924 (7)، ولم يتعرض المجتمع السياسي المصري لليهود بالضرر المباشر في نشاطاتهم إلا عندما يشذ اليهود عن حدود النسيج الوطن العام للمجتمع؛ مما يضر بقضاياه الوطنية الكبرى كالاستقلال وقتذاك، وكقضية فلسطين فيما بعد.
كقانون ثابت، صار هناك تلازم بين معدل هجرة اليهود المصريين – وأيضاً العرب – إلى إسرائيل وبين تواريخ الصدام المسلح معها، فمنذ أن زار هرتزل مصر عام 1904 واستقبال العائلات اليهودية الرأسمالية ومحاولة بحثه مع السلطات المصرية حينئذ عمليات الاستيطان اليهودي في فلسطين، واليهود بمصر ينظرون بشوق إلى معابدهم التي في القدس، واستطاعت الدعاية الإسرائيلية المكثفة أن تزين لهم في لحظات الصدام المسلح مع العرب أن عدم هجرتهم إلى إسرائيل يعد خيانة لتاريخهم ولمعابدهم ولرموزهم الدينية إجمالاً، كانت هجراتهم الجماعية عام 1948، وعام 1956، وعام 1967، وأخيراً عام 1973، وتعكس هذه الدلالة الهامة تناقص المعدل السكاني لليهود في مصر، حين بلغ تعدادهم مع بداية 1900 إلى حوالي ألفي يهودي فقط (8) أغلبهم من كبار السن (9) أو أصحاب المصالح الاقتصادية والمتشعبة وهؤلاء – وهم الأقل والأكثر خطورة وأهمية بالنسبة لهذه الدراسة – غالباً يحملون الجنسية الإسرائيلية إلى جانب جنسيتهم المصرية القديمة وأغلبهم قد خرج من مصر في أثناء الحروب، وعادوا بعد زيارة القدس عام 1977.
بعد هذه الزيارة، ودخول مصر إلى حلبة حل الصراع وفق المفهوم الإسرائيلي للسلام، دخلت أساليب التعامل مع اليهود المصريين مرحلة جديدة نسبياً عما سبقها، واتسمت هذه المرحلة بمجموعة من الخصائص يمكنها أن تمثل نموذجا لقياس الاختلال الذي حدث في منهج التعامل التاريخي بفعل عوامل دخيلة في النسيج الحضاري لطرفي العلاقة:
أولى هذه الخصائص: استثمار عدد من كبار اليهود المصريين الرأسماليين لحالة السلام بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية، ولحالة الانفتاح الاقتصادي المتلازمة معها، في خلق سوق اقتصادي مصري تابع للسوق الاقتصادي الإسرائيلي، وساهمت الإدارة الأمريكية من خلال “وكالة التنمية الدولية الأمريكية”، منذ السنوات الأولى للعلاقات بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية في تذليل العقبات، خاصة الجانب المتصل بمخاوف الجانب المصري، وأن هذا الخوف وفق تقرير (بروتون – بروكنز) يمكنه أن يزول من خلال مشاريع مشتركة يكون لليهود المصريين الأثرياء دور فيها (10). بالإضافة إلى نسج شبكة واسعة من الاتصالات والعلاقات بفئات اجتماعية متنوعة ومؤثرة (11) وهو ما تم بالفعل، وبخطوات سريعة الإيقاع، ولعبت أسماء شهيرة دوراً مؤثراً في إكمال شبكة الاختراق الاقتصادي خاصة الثمانيات منها (كامل الكفراوي – عصمت السادات – محسن التونسي – صلاح نبهان الوكيل التجاري العام للشركات الإسرائيلية في مصر بعد كامب ديفيد – عثمان أحمد عثمان – المهندس الزراعي محمد عبدالوهاب – ومحمد حاتم محمود البكل، ومهندسا الري حسن مجدي ومصطفى مجدي) وغيرهم من الأسماء التي عاونت بعض مشاهير اليهود في عالم التجارة للسيطرة على السوق المصري أمثال اليهودي “نسيم جاعون”.
يعني هذا أن المناخ العام الذي أفرزته زيارة القدس ساهم في التدليل المفرط لبعض الرأسماليين من اليهود المصريين، مما دفعهم إلى الغزو المنظم – اقتصادياً – للسوق المصري، ومن ثم للمجتمع المصري، عبر مجموعة من الرأسماليين المصريين (مسيحيين ومسلمين) مكونين شبكة منسقة الأدوار، استطاعت أن تصيب أشياء كثيرة في مقتل كان أهمها إطلاقاً منهج التعامل تجاه اليهود المصريين الذي اهتز ميزانه التاريخي، وتأرجحت دفتاه بطريقة مأساوية ولدت شعوراً دفينا بالعداء لدى القطاعات الواسعة من الجماعة الوطنية المصرية تجاه كل ما هو “يهودي”، وبأنه بالضرورة “صهيوني” يبغي الهيمنة والتحكم الاقتصادي في مقدرات هذا المجتمع؛ ومن ثم وجبت مجابهته بالقوة.
ثاني الخصائص: يتمثل في انتهاز عدد من اليهود المصريين العائدين أيضاً بعد زيارة القدس ثم اتفاقيات كامب ديفيد (1979)، الفرص للتجارة والتجسس معاً، حين قام بعضهم ببيع بعض المعابد اليهودية القديمة مثل معبد ليفي شالوم بحي الظاهر وأرض الجبانة اليهودية بحي المعادي والمعابد الموجودة بحي “الدراسة” و”الجيش” بقلب القاهرة، ولقد كشف كاتب هذه السطور منذ فترة (في الثمانينات وعبر تحقيقات صحفية موثقة في جريدة (الشعب) المعارضة) جانب من هذه الجريمة، إلا أن أحداً من المسؤولين لم يتحرك (12) ومن الأسماء اليهودية الشهيرة التي كانت تقوم ببيع هذه المعابد التاريخية تمهيداً لهدمها وتحويل أرضها إلى محلات تجارية لليهوديين المصريين (يوسف دانا ومراد زكي) بالإضافة للعاملين من اليهود “بالجالية الإسرائيلية لليهود المصريين” الموجودة في ميدان الجيش في قلب مدينة القاهرة، ويكمل حلقة التجارة أيضاً تورط عدد من اليهود المصريين في تجارة المخدرات وأشهر هذه القضايا قضية يوسف طحان في خريف 1985، هذا بالنسبة للتجارة، أما بالنسبة للتجسس، فبالإضافة للروايات المتواترة والمعروفة عن ضبط أجهزة المخابرات المصرية لبعض اليهود قبل زيارة القدس عام 1977 حدث أيضاً عمليات تجسس مشابهة كان لبعض اليهود من المصريين دوراً بارزاً فيها، بعد أن استطاعت السفارة الإسرائيلية وأجهزة الموساد – التي باتت تتحرك تحت أغطية دبلوماسية داخل القاهرة – تجنيدهم لخيانة الوطن الذي آواهم، وكنموذج لهذه العميات ما اكتشفته أجهزة الأمن المصرية في 1/8/1985 من شبكة تجسس يهودية واسعة النطاق كان أطرافها، بعض المصريين العاملين بالسفارة الإسرائيلية والمركز الأكاديمي الإسرائيلي وبعض الدبلوماسيين الأمريكيين بالقاهرة، بالإضافة لعدد من اليهود المصريين الذين على اتصال وثيق بالسفارة الإسرائيلية بمصر، وتحت ضغوط أمريكية – إسرائيلية مكثفة تُكُتِّم على أسماء أعضاء هذه الشبكة ثم ترحيلهم من مصر بعد تسريبهم لأسرار عسكرية وسياسية دقيقة (13). فضلاً عن حوالي 25 قضية تجسس أخرى ضبطتها الأجهزة الأمنية والمخابراتية المعروفة منذ كامب ديفيد 1979 حتى اليوم (2026)
إن الدروس المستفادة من ثاني الخصائص، أن حالة السلام المزعوم بين مصر وإسرائيل، لم توقف أساليب التجارة الرخيصة في المقدسات والرموز التاريخية التي تعد ملكاً للجماعة الوطنية المصرية بعناصرها الثلاثة (اليهود – المسيحيين – المسلمون) ولم توقف تجارة المخدرات، بل زادت هذه الأساليب، وحالة السلام أيضاً لم توقف أساليب التجسس العسكري والسياسي، بل زادتها الأخطر من هذا كله “تورط” عدد من اليهود المصريين – أو الذين كانوا مصريين قبل أن يهاجروا إلى إسرائيل، وعادوا مع رياح السلام – في هذه الأنماط الجديدة من الجرائم، والتي تنعكس بظلالها الكثيفة على منهج التعامل مع اليهود المصريين، وتعد أحد أهم مثالب هذا المنهج المختل.
ثالث هذه الخصائص: استخدام الوجود اليهودي المصري، وتحديداً لعناصر من غير كبار السن، كستار لعملية اختراق وغزو منظم للعقل المصري وللجامعات والهيئات العلمية المصرية، تمثل ذلك في أبحاثهم الميدانية المشتركة، وفي زيارات بعض صحفيِهم إلى مصر وهي عملية تعد مقدمة طويلة المدى تسبق عادة الغزو الاقتصادي المباشر، ولقد لعب (المركز الأكاديمي الإسرائيلي) من خلال رئاسة كل من البروفسور: شيمون شامير وجبرائيل واربورج وأوشيروا فاديا وصولا للرئيس الحالي عام 2026 … دوراً هاماً في عملية التجسس العالمي هذه، والتي لعب أيضا “الموساد الإسرائيلي” دوراً مهماً في الوصول إلى الأسر اليهودية في أرجاء مصر تحت دعوى رعايتها وتأمين اتصالاتها بأرض إسرائيل.
هذه بوجه عام بعض خصائص الخلل الذي أصاب بمنهج التعامل التاريخي شبه المستقر، مع اليهود المصريين، وهو خلل مركب ساهمت فيه عوامل عدة أتى المناخ العام – السياسي والاقتصادي والنفسي – في مرحلة ما بعد زيارة القدس، ليمثل إحداها، فالعزلة – الجيتو الجديد- الذي تعمدت بعض المؤسسات وبالتبعية بعض الأفراد – فرضه على اليهود الموجودين بها، اتجهوا إلى من يبحث عنهم ليوظفهم في استراتيجية اختراقه الاقتصادي، والفكري، فاتجهوا إلى “جهاز الموساد” الإسرائيلي، وأيضاً ساهم في هذا الخلل اليهود المصريون أنفسهم بحالة الخوف والريبة، وبحالة انتهاز الفرص والقنص المنظم لثروات البلد الذي آواهم منذ قدم التاريخ.
*جميعها عوامل أدت إلى هذا المنهج المختل، والذي تسعى الاستراتيجية الإسرائيلية إلى “تعريبه” بمساندة من الاستراتيجية الأمريكية، حيث تفريغ المنطقة العربية من عناصر جماعتها الوطنية التاريخية، واختراق أنسجتها الحضارية بحذف بعض مكوناتها، يمثل ولا شك هدفاً بعيد المدى تتفق عليه الإرادتان الإسرائيلية والأمريكية، وهو هدف نجاحا جزئياً في تحقيقه داخل مصر، وهما يسعيان إلى استكماله بلورته، وهذا ما أعلنه بعضهم ضمناً في كتاباتهم الأخيرة (14) تمهيداً لتسويقه وفرضه على مجمل المنطقة العربية.
*وبقي على العقل العربي أن يجيب، وأن يحدد … ما العمل؟
المستوى الثالث: نحو منهج علمي للتعامل
للإجابة عن سؤال ما العمل؟ كان لا بد من رصد وتحليل بعض جوانب الخلل الذي يعيشه منهج التعامل العربي مع الوجود اليهودي – غير الإسرائيلي – بداخله، وكانت مصر هي أبلغ النماذج للتدليل على حجم هذا الخلل الذي حدث، وإذا وجدت جوانب أخرى للخلل – وبالقطع هي موجودة- فإنها ولا شك ستصب في اتجاه الهدف الرئيسي لهذا البحث وهو البحث عن منهج علمي للتعامل مع ما بقي لدينا من يهود لم تجذبهم أجهزة الموساد الإسرائيلي.
إذا كان حجم اليهود العرب يتراوح بين النصف مليون والمليون يهودي، فإن هذه نسبة لا يستهان بها على أي حال، خاصة إذا ما أهملناها؛ لأنها ستصبح حينئذ طابوراً خامساً – سياسياً واقتصادياً وثقافياً – شئنا أم أبينا ومن ثم يتوجب علينا أن نبحث عن أفضل البدائل لتوظيفها ولاستيعاب دورها تجاه القضية الأولى، قضية فلسطين.
إن المنهج في تصورنا لا بد له أن يرتكز على محورين أساسيين هما:
أولاً: لا بد من التكثيف الإعلامي عربياً ودولياً لكشف أكاذيب المؤتمر اليهودي العالمي، وأجهزة الإعلام الصهيونية حول تردي أوضاع اليهود العرب معيشياً، هنا يأتي دور الأجهزة الإعلامية العربية الأكثر قدرة دولياً، وفي مقدمتها المنظمات التابعة لجامعة الدول العربية.
ثانياً: العمل عربياً – شعبياً قبل أن يكون رسمياً – على محاصرة النشاط – الإسرائيلي – الناتج عن (تجربة مصر)، وذلك بالكشف المستمر عن العناصر اليهودية – العربية والغربية المتعاملة مع هذا النشاط تمهيداً لضربها عملياً، لأنه لا فرق موضوعياً بين الذي يقتل أطفال صابرا وشاتيلا وغزة النيام في منتصف الليل، وبين الذي يخترق الاقتصاد والعقل، أو يتجسس مُصدراً وطنه إلى تل أبيب أو واشنطن!!
تلك بعض جوانب القضية، فهل نبدأ في التصدي العملي لها؟!
قائمة الهوامش:
1- باستثناء كتاب: يهود البلاد العربية، اعداد: د. على إبراهيم عبده، وخيرية قاسمية، والصادر عن منظمة التحرير الفلسطينية – مركز الأبحاث – بيروت – يونيو 1970/ لا توجد دراسة متكاملة عن اليهود العرب، وحتى مراكز الأبحاث العربية قبل وبعد عام 1977 التي كان من المفترض تعرضها الاحصائي على الأقل لهذه القضية خرجت دراساتها إما قاصرة أو بعيدة كلية عن القضية
2- عادل حسين / التطبيع: المخطط الصهيوني للهيمنة الاقتصادية (دار أزال – بيروت، مكتبة مدبولي – القاهرة 1985) ص29.
3- تفصيل هذه الجوانب في: د. على إبراهيم عبده وخيرية قاسمية: يهود البلاد العربية، مصدر سابق ص ص 159 – 199.
4- يذكر المصدر السابق معلومات تاريخية هامة، فنقلاً عن طلعت حرب مؤسس بنك مصر الذي كشف عن بعض أساليب اليهود المالية وكيف أن الأهالى كانوا على حالة من البساطة في المعاملة يعرضون بعضهم بلا كمبيالات أو صكوك حتى فكر بعض الماليين الأجانب عام 1880 تأسيس بنوك رهون عقارية منظمة، وقام بنكان الأول: رأسماله فرنسي وخاضع للقوانين المصرية (البنك العقاري المصري) وأسسه ثلاثة من كبار المرابين اليهود هم سوارس ورولو وقطاوي بالاتفاق مع ثلاثة من أكبر بنوك فرنسا وامتد نشاطه إلى الأهالى وقد رهن فيه ثلث المساحة المنزرعة في مصر خلال السنة الأولى من تأسيسه (المصدر السابق ص ص 165-166).
5- د. عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم مصر والعراق (الجزء الأول) الطبعة الثانية – القاهرة – مكتبة الأنجلو المصرية – 1976 ص ص 290-291، (ويذكر العالم الدكتور عبد العزيز صالح في كتابه السابق معلومات تاريخية هامة عن كيفية تنكر اليهود لهذا الكرم المصري، بأن أصبحوا أعواناً للفرس ضد الوطنيين المصريين وقتذاك – ص290).
6- غنيم أبوكف “اليهود والحركة الصهيونية في مصر” (1917 – 1947) – القاهرة – دار الهلال – 1969 – ص ص 35-40، كذلك – د. على إبراهيم عبده، خيرية قاسمية – مصدر سابق، ص 174.
7- من نماذج التكريم الثقافي التاريخي لليهود المصريين من قبل القيادة السياسية ومن قبل المجتمع العلمي المصري إجمالاً هو وصول (حاييم ناحوم) البروفيسور اليهودي الشهير إلى عضوية مجمع اللغة العربية واستمراره في هذا المنصب حتى وفاته عام 1969.
8- المصدر: احصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء – إحصاء عام 1986 (والملاحظ علناً أن هذا آخر إحصاء لأن الاحصائيات السكانية تتم كل عشر سنوات، ونعتقد أن العدد في تناقص مستمر خاصة في جانب السكان كبار السن نظراً لمعدل الوفيات وانعدام حالات المواليد وكذلك انعدام حالات الزواج).
9- عاموس آلون: رحلة إلى مصر (ترجمة الهيئة العامة للاستعلامات – القاهرة 1984، ص123 – (مؤلف الكتاب من كبار الصحفيين الإسرائيليين الذين على اتصال وثيق بالموساد “جهاز المخابرات الإسرائيلي” واحتوى كتابه الذي وضعه بعد عامين قضاهما متجولاً في مصر على أسرار ومعلومات هامة عن مصر ومثقفيها وسياسييها قبل وبعد اغتيال السادات).
10- المصدر: Henry.s.Bruton: the promise of peace, Economic cooperation between Egypt and Israel, Astaff poper (washintion, D.C. the Brookings, institution, 1981).
ويذكر عادل حسين في كتابه – مصدر سابق – ان هذا التقرير أصبح فيما بعد المرجع لكل التحركات الإسرائيلية والخطط الاقتصادية لليهود داخل مصر.
11- عادل حسين: التطبيع، مصدر سابق، ص70 (ضمن عادل حسين كتابه قائمة بالأسماء للشركات والأفراد الذين روجوا للمخطط الصهيوني لغزو مصر، والكتاب يعد بحق وثيقة دولية بالغة الأهمية).
12- رفعت سيد أحمد: تحقيق صحفي بعنوان “المصري التائه في حي الظاهر” عن بيع المعابد اليهودية القديمة في مصر (القاهرة، جريدة الشعب: العدد 298 بتاريخ 20/8/1985، ص10).
13- لمزيد من التفاصيل حول هذه القضية ذات الدلالة البالغة انظر: رفعت سيد أحمد: مفاجآت جديدة في قضية التجسس الإسرائيلي على مصر (القاهرة – جريدة الشعب – العدد 298 بتاريخ 20/8/1985 – الصفحة الأولى).
14- عاموس آلون، مصدر سابق، ص ص 124 – 128.
:::::
د. رفعت سيد أحمد، مفكر قومي وخبير استراتيجي
المصدر: موقع بوليتيكا، العدد الرابع عشر، بتاريخ 14 فبراير 2026
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
