الرأسمالية: مقابل كل مليونير جديد يولد ملايين العمال

لقد أصبح النظام الرأسمالي أكثر براعة في إنتاج المفارقات مما هو بارع في إنتاج العدالة… ففي الوقت الذي تتضخم فيه الثروة الخاصة بوتيرة قياسية، يتسع الخندق الذي يفصل الأغلبية الكادحة عن الأقلية المالكة بشكل مستفز وباعتراف مؤسساته نفسها.

إن تقرير الثروة العالمية الصادر عن اتحاد البنوك السويسرية (UBS) لا يقدم مجرد أرقام عن ازدياد عدد المليونيرات، بل يقدم شهادة جديدة على الطبيعة الطبقية للنظام الاقتصادي العالمي، حيث تتراكم الثروة في الأعلى بسرعة تفوق بكثير قدرة الاقتصاد الحقيقي على إنتاجها.

فخلال سنة 2025 وحدها، ارتفع إجمالي الثروات الخاصة في العالم بأكثر من 10,8%، أي بما يناهز 3,3 تريليونات دولار إضافية مقارنة بالسنة السابقة، فيما انضم نحو مليون شخص إلى نادي أصحاب الملايين، بمعدل يقارب 2600 مليونير جديد كل يوم. الولايات المتحدة والصين والهند تصدرت هذا السباق، ليس لأنها أصبحت أكثر عدالة أو أكثر إنتاجاً لصالح شعوبها، بل لأن أسواق المال والمضاربات والعقارات وارتفاع قيمة الأصول واصلت ضخ الأرباح في جيوب من يملكون أصلاً ما يكفي لشراء العالم عدة مرات.

وليس المقصود هنا مليون دولار مودعة في حساب مصرفي، بل مجموع ما يملكه الفرد من أصول مالية وعقارية. وهكذا، قد يتحول منزل ارتفعت قيمته أو محفظة أسهم انتفخت بفعل المضاربة إلى بطاقة عبور نحو طبقة “الأثرياء”، بينما يبقى العامل الذي شيد ذلك المنزل أو الموظف الذي ساهم في أرباح تلك الشركات عاجزاً عن شراء شقة صغيرة أو دفع أقساط العلاج.

الأرقام نفسها تكشف قانون التراكم الرأسمالي الذي تحدث عنه ماركس قبل أكثر من قرن ونصف. فالثروات التي تتجاوز خمسة ملايين دولار نمت بوتيرة أسرع من ثروات أصحاب الملايين، بينما لا يمتلك سوى 15,3% من سكان العالم ثروة تتراوح بين مائة ألف ومليون دولار، ويعيش أكثر من أربعين في المائة بثروة لا تتجاوز مائة ألف دولار. أما الذين كانوا قبل ربع قرن يمتلكون أكثر من عشرة آلاف دولار، وكانوا يشكلون ثلاثة أرباع سكان العالم، فقد أصبحوا اليوم أقلية نسبياً أمام تصاعد التركز الرأسمالي.

وللمفارقة، فإن الثروة أصبحت تنمو بسرعة أكبر من الاقتصاد نفسه. الأسواق المالية تلد مليارات الدولارات دون أن تلد بالضرورة مصنعاً جديداً أو مدرسة أو مستشفى أو حقلاً زراعياً. إنها رأسمالية لا تنتج السلع بقدر ما تنتج الأسعار، ولا تصنع القيمة بقدر ما تعيد توزيعها نحو القمة. حتى تقرير البنك السويسري، رغم لغته الدبلوماسية، يعترف بأن قوة الأسواق المالية والأنشطة غير المالية هي المحرك الرئيسي لهذا التضخم في الثروات.

أما من يحتل منصة التتويج، فقد حافظت سويسرا على المرتبة الأولى من حيث متوسط ثروة الفرد، تليها الولايات المتحدة ثم لوكسمبورغ، بينما سجلت أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا أعلى معدلات نمو للثروات الخاصة، متقدمة على الأمريكتين وآسيا. وبعبارة أخرى، فإن الرأسمال أصبح أكثر قدرة على عبور الحدود من البشر أنفسهم، وأكثر حرية من ملايين اللاجئين الذين يهربون من الحروب التي كثيراً ما يصنعها هذا الرأسمال ذاته.

وإذا كان ماركس قد وصف الدولة بأنها لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية، فإن تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تبدو كأنها تطبيق عملي محدث لهذه العبارة، مع بعض الإضافات التي فرضها عصر العملات المشفرة ومنصات التواصل الاجتماعي. فالرجل لم يكتف بإدارة الدولة، بل تعامل مع البيت الأبيض كما لو كان جناحاً إضافياً في إمبراطوريته التجارية.

فبعد عودته إلى السلطة، نقل حصته في مجموعة ترامب للإعلام والتكنولوجيا إلى ابنه، في خطوة قانونية لا تلغي حقيقة أن العائلة بقيت المالك الأكبر للمجموعة. الشكل تغير، أما الجوهر فبقي كما هو: السلطة السياسية في خدمة الثروة الخاصة، والثروة الخاصة في خدمة السلطة السياسية. إنها عملية “غسل للمصالح” أكثر منها فصلاً بين المنصب والأعمال.

وخلال عام واحد فقط، تضخمت ثروة ترامب بمليارات الدولارات عبر الفنادق، ونوادي الغولف، والعملات المشفرة، والمضاربات، وحتى بيع نسخ من الإنجيل تحمل صورته. لم يعد يكفي أن يقرأ “المؤمن” الكتاب المقدس، بل صار بإمكانه اقتناء نسخة موقعة بصورة رجل الأعمال الرئيس، وكأن “الخلاص الأبدي” أصبح يباع مع شعار انتخابي.

كما تدفقت الإيرادات من كل اتجاه: مئات الملايين من نوادي الغولف، عشرات الملايين من منتجع مارالاغو، ملايين أخرى من الساعات الفاخرة، إضافة إلى هدايا بملايين الدولارات من حكومات وهيئات مختلفة، من بينها الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي قدم تذاكر باهظة الثمن لنهائي كأس العالم. ويصعب أحياناً التمييز بين رئيس دولة ورجل إعلانات متنقل؛ فالمشهد يذكر بسوق تجارية ضخمة أكثر مما يذكر بمؤسسة يفترض أنها تمثل ما يسمى بالمصلحة العامة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل سجلت معاملاته في البورصة آلاف الصفقات خلال أشهر قليلة، بينما تحدثت تقارير عن ضغوط مورست على حكومات أجنبية لتسهيل استثمارات تخص أبناءه وشركاء مقربين من مسؤولين أمريكيين. وهكذا تصبح السياسة الخارجية امتداداً لإدارة المحافظ الاستثمارية، وتتحول الدبلوماسية إلى قسم للمبيعات الدولية.

في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من الكوكب، لا يجد مئات الملايين ما يبيعونه سوى قوة عملهم الرخيصة، وكثيرون لا يجدون حتى من يشتريها. فبينما يحتفل الاقتصاد العالمي بولادة مليونير جديد كل بضع دقائق، ينام مئات الملايين وهم يحسبون ما إذا كان بإمكانهم شراء وجبة في اليوم التالي.

فوفق بيانات البنك الدولي، يعيش مئات الملايين في فقر مدقع، بينما يعيش نحو نصف سكان العالم تقريباً على أقل من 6,85 دولارات يومياً. صحيح أن بعض مناطق آسيا سجلت تراجعاً في الفقر خلال العقود الماضية، لكن التوقعات تشير إلى أن ملايين البشر سيبقون أسرى الحرمان خلال السنوات المقبلة، مع استمرار تمركز الفقر في إفريقيا خصوصا جنوب الصحراء.

وقد اضطرت الأمم المتحدة إلى الاعتراف بأن تحقيق أهداف “التنمية المستدامة” يسير ببطء شديد، بل إن عدداً مهماً منها يسير في الاتجاه المعاكس. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على إعلان اليوم العالمي للقضاء على الفقر، يبدو أن الفقر لم يختف، بل اكتسب مناعة ضد الخطب الرسمية والبيانات الختامية والابتسامات البروتوكولية.

بل إن البنك الدولي نفسه اضطر إلى رفع خط الفقر الدولي من 2,15 إلى 3 دولارات يومياً. والنتيجة لم تكن اختفاء الفقراء، وإنما ازدياد عددهم على الورق والواقع معاً. فبمجرد تعديل المعيار، ارتفع عدد من يصنفون ضمن الفقر المدقع إلى أكثر من ثمانمائة مليون إنسان. وكأن المؤسسة المالية الدولية اكتشفت أخيراً أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش على دولارين في اليوم، وهو اكتشاف متأخر لا يقل إثارة عن اكتشاف أن الماء يبلل الملابس.

وتؤكد المؤشرات أن أفقر دول العالم ما تزال متمركزة في إفريقيا واسيا، حيث تتداخل آثار الاستعمار القديم مع سياسات التبعية والديون والحروب والتدخلات الخارجية. وفي الوقت نفسه، حذرت دراسات طبية من أن تقليص التمويل الدولي للمساعدات، بعد قرارات إدارة ترامب وتقليص بعض الدول الأوروبية لموازنات التعاون الخارجي، قد يؤدي إلى ملايين الوفيات الإضافية بحلول سنة 2030، بينهم مئات الآلاف من الأطفال كل عام.

إن المشهد العالمي لا يحتاج إلى كثير من البلاغة لفهمه. ففي جهة، تتراكم الثروات بسرعة تجعل المال ينجب المال دون المرور بالإنتاج، وتتحول السلطة إلى أداة لتعظيم الأرباح الخاصة، بينما تتوسع إمبراطوريات المضاربة والعملات الرقمية والفنادق ونوادي الغولف. وفي الجهة المقابلة، تتوسع خرائط الجوع والفقر والمرض والديون والهجرة القسرية.

هذه ليست مفارقة عابرة، بل هي القانون الداخلي للرأسمالية الإمبريالية. فكل مليونير جديد يولد في القمة يقابله ملايين العمال الذين ينتجون القيمة دون أن يمتلكوها، وكل ارتفاع في أسعار الأسهم يخفي وراءه عمالاً بأجور مجمدة ومزارعين مفلسين وشعوباً تُفرض عليها برامج التقشف. وعندما يحتفل الإعلام بارتفاع عدد الأثرياء باعتباره دليلاً على “نجاح الاقتصاد”، فإنه يشبه طبيباً يعلن نجاح العملية لأن الورم ازداد حجماً بينما المريض يلفظ أنفاسه الأخيرة…ففي عالم الرأسمالية، يبدو أن صحة الورم أهم من صحة الجسد نفسه.

::::

المصدر:

#الجبهة_الشعبية_لمناهضة_الامبريالية_بالمغرب

https://www.facebook.com/p/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-61581621187702

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….