شهد المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، على مدار العقود الستة الماضية، تحولًّا بنيويًّا لم يعد من الممكن فهمه كعملية تمدد جغرافي عادية. نحن أمام انتقال استراتيجي ونوعي في فلسفة ادارة الصراع والسيطرة على الأرض. هذا الانتقال لا يمثل مجرد زيادة في عدد المستوطنين أو اتساع رقعة البناء، بل هو انتقال من مرحلة “أيديولوجيا الإنكار” التي اعتمدت على الغموض القانوني والذرائع الأمنية المؤقتة لتبرير الوجود الاستعماري وتفادي الصدام مع المنظومة الدولية إلى مرحلة “قوانين الحسم” المعاصرة. هذه المرحلة الأخيرة تمثل مأسسة علنية وبنيوية لـ “دولة المستوطنين”، ككيان سياسي وقانوني وسيادي مكتمل الأركان يفرض واقع الضم الفعلي والقانوني في آن واحد، مما يُنهي بشكل جذري أي إمكانية للحلول السياسية التقليدية.
أيديولوجيا الإنكار.. “المؤقت” كأداة للضم الزاحف (1967 وما بعدها)
تأسس المشروع الاستيطاني عقب عدوان 1967 على أرضية أيديولوجية أدارت ظهرها للحسم القانوني المباشر. كان الهدف هو تجنب الاصطدام الجبهوي مع القانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة. اعتمدت هذه المرحلة على ثلاثة مسارات مترابطة:
– المناورة القانونية (الإنكار القانوني): رفضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الاعتراف الصريح بأن الضفة الغربية هي “أرض محتلة” بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، واستبدلت ذلك بمصطلح هلامي هو “الأراضي المتنازع عليها”. هذا الإنكار القانوني كان يهدف إلى التحلل من التزامات القوة القائمة بالاحتلال، وبشكل خاص حظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الإقليم المحتل.
– الذريعة الأمنية كغطاء شرعي: في المراحل الأولى للاستيطان، رُسِّم الاستيطان في الفضاء القانوني والقضائي الإسرائيلي بوصفه “ضرورة أمنية مؤقتة”. حتى عندما كانت المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات المصادرة، كانت تقبل الدفوع الرسمية التي تدعي أن هذه المستوطنات هي نقاط مراقبة ودفاع عسكري تخدم الجيش. كانت هذه الصيغة توحي بأن الحالة قابلة للتفكيك في حال زوال الأسباب الأمنية، وهو ما أبقى الباب موارباً أمام التسويات السياسية.
– استراتيجية “الضم الزاحف: تحت غطاء الإنكار، مارست اسرائيل استراتيجية صامتة. تم مد شبكات المياه، والكهرباء، والطرق السريعة العابرة للحدود التي تفصل بين المدن الفلسطينية وتربط المستوطنات بالعمق الإسرائيلي. كان الهدف خلق حقائق على الأرض غير قابلة للعكس، مع الحفاظ على مظلة “الإدارة العسكرية” للإقليم للإيحاء بأن الوضع ما زال خاضعاً للتفاوض، مما وفر غطاءً دولياً طويلاً للمشروع.
الانتقال إلى “قوانين الحسم”.. المأسسة التشريعية للسيادة
مع صعود اليمين الاستيطاني، وتحديداً تيارات الصهيونية الدينية، إلى مفاصل الحكم العميقة وتشكيل الائتلافات الحكومية الأكثر تطرفًا، انقضى عهد الغموض البنّاء وأيديولوجيا الإنكار. حلّت مكانها استراتيجية علنية ومؤطرة تشريعياً تُعرف بـقوانين الحسم. إنها ترجمة عملية لخطة الحسم التي صاغها بتسلئيل سموتريتش، والتي تقوم على مبدأ قاطع: إنهاء الصراع بدلاً من إدارته، عبر فرض السيادة الكاملة والقضاء على أي أفق لكيان فلسطيني.
لم يعد الاستيطان بحاجة إلى الاختباء خلف الذرائع الأمنية، بل بات يُطرح كحق سيادي وقومي وتاريخي مطلق. تجلى هذا التحول عبر أدوات قانونية غير مسبوقة منها إلغاء “قانون الانفصال”: شكل إلغاء بنود من قانون عام 2005 خطوة رمزية وعملية كبرى، حيث سمح بالعودة إلى المستوطنات المخلاة في شمال الضفة الغربية. يعكس هذا الإلغاء الانتقال من فكرة إمكانية التفكيك إلى فكرة أبدية الوجود الاستيطاني. نقل الصلاحيات (الضم القانوني): تمثل التحول الأكثر خطورة في نقل الصلاحيات الإدارية والقانونية الواسعة من “قائد المنطقة الوسطى” في الجيش إلى وزارة مدنية (وزارة الاستيطان). إن نقل إدارة الأرض، والتخطيط، والبناء، والمياه، وشؤون السير من يد الحاكم العسكري إلى أيدي موظفين مدنيين تابعين للوزارات الإسرائيلية، هو ضم قانوني فعلي. هذا الإجراء يلغي الطبيعة العسكرية المؤقتة للإقليم ويخضعه للسيادة الإدارية المباشرة للدولة، مما يعني دمج الضفة تشريعيًا دون إعلان رسمي قد يثير ضغوطاً دولية. شرعنة البؤر الاستيطانية والاستيطان الرعوي: عبر حزمة من القرارات، جرت شرعنة مئات البؤر التي كانت تُصنف سابقاً “غير قانونية”. والأخطر هو توسيع ما يسمّى “الاستيطان الرعوي” (المزارع والكنتونات البيئية)، وهي أداة حسم جغرافية فائقة الفعالية تسيطر على مساحات شاسعة (المنطقة ج) بأقل عدد من المستوطنين، مدعومة بعنف هيكلي لتفريغ التجمعات البدوية والفلسطينية.
“دولة المستوطنين”.. ملامح الكيان السلطوي
نتج عن هذا التحول صعود كيان جيوسياسي متكامل في الضفة الغربية، يمكن تسميته بـ “دولة المستوطنين”. هذا الكيان هو منظومة سلطوية تتمتع بامتيازات سيادية واقتصادية وعسكرية. إن هذا التمايز التشريعي يمثل مأسسة صريحة لنظام الفصل العنصري، حيث تحدد الهوية العرقية والقومية طبيعة القانون الذي يخضع له الفرد والمحكمة التي يمثل أمامها. تحولت المجالس الإقليمية والمحلية للمستوطنات إلى ما يشبه حكومات مصغرة ذات نفوذ هائل. هي لا تدير الشؤون البلدية فقط، بل تمتلك أذرعاً تنفيذية ووحدات مراقبة (دوريات الأراضي) مخولة بمراقبة البناء الفلسطيني، وتوجيه الجيش لهدم المنشآت الفلسطينية، ومصادرة المعدات الزراعية. إنها تمارس سلطة سيادية جغرافية تتجاوز مفهوم المجلس البلدي وعملت على تكريس كامل الى مفهوم الاستيطان الرّعوي على الأرض.
لم يعد عنف المستوطنين سلوكًا منفلتًا لمجموعات هامشية، بل تحول إلى عنف هيكلي ومؤسساتي. يتكامل هذا العنف مع بنية الدولة عبر فرق الحراسة المحلية التي جرى تسليحها وتحويلها إلى مفرزات عسكرية احتياطية، وبدعم مباشر من قوات الجيش. يعمل هذا العنف كأداة رسمية لتسريع وتيرة التهجير القسري الصامت في الأغوار وجنوب الخليل ومجمل الضفة.
التداعيات السياسية واستشراف المستقبل
إن الانتقال الكامل من أيديولوجيا الإنكار إلى قوانين الحسم يضع القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق تاريخي، يحمل تداعيات مصيرية أهمها الدفن النهائي لـما يسمى “حل الدولتين” انّ المأسسة التشريعية والضم المؤسساتي يعنيان عمليًا تفكيك أي إمكانية جغرافية أو سيادية لإقامة دولة فلسطينية. تحولت السلطة الفلسطينية، بموجب هذه القوانين، إلى شريك إداري معزول في تجمعات سكانية (بانتوستانات) مغلقة، بلا سيطرة حقيقية على الأرض أو الموارد. تحاول من خلالها تثبيت خيار “الترانسفير الصامت” حيث تهدف خطة الحسم إلى وضع الفلسطيني أمام ثلاث خيارات وجودية أحلاها مر: القبول بالعيش كمقيم مؤقت مسلوب الحقوق، أو التهجير والرحيل (الترانسفير الصامت)، أو المواجهة الأمنية الشاملة.
ان اسقاط أيديولوجيا الإنكار يضع العقل السياسي الفلسطيني أمام حتمية تاريخية لتغيير أدواته. يتجه الصراع نحو معركة حقوقية وسياسية وجودية ترتكز على مواجهة نظام “الأبارتهايد” والمطالبة بالحقوق الكاملة. الضفة الغربية لم تعد أرضًا خاضعة لاحتلال مؤقت ينتظر تسوية، بل أصبحت الفضاء الحيوي الذي ولدت فيه “دولة المستوطنين”. إن هذا الواقع يفرض على الكل الفلسطيني والمجتمع الدولي مغادرة أوهام “عملية السلام” والتعامل مع الواقع الجديد بوصفه مواجهة مباشرة مع نظام استعماري إحلالي يهدف إلى الحسم الجغرافي والديمغرافي الشامل.
::::
موقع “الجرمق الإخباري”
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
