حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي
سعيد كنيش
مدينة تمارة، المغرب العربي
4شتنبر2026
الحلقة الثالثة والأخيرة
اسقاط الحزب لقضية العروبة ونتائجه على اختياره الفكري والسياسي
أو القفز في الهواء
النتيجة الاولى: الوهم بأن الشعب المغربي يشكل أمة لذاته
لم يرد مصطلح الأمة المغربية لا في البيان ولا في أوراق المؤتمر بشكل صريح. لكن بداية الانزلاق نحو هذا التحميل الفكري للمصطلح، تكونت عندما استعاض الحزب عن مهمة استعادة دور الطبقات الشعبية المغربية في حمل المشروع العروبي إلى جانب الشعوب العربية وبناء وحدتها وقوتها ضد أعدائها التاريخيين، سواء على صعيد المغرب العربي أو الوطن العربي الكبير؛ وطرح الحزب كبديل جديد مهمة بناء وحدة الشعب المغربي الخاصة في إطار دولة الفدرلة.
فقد جاء في البيان العام: “الفيدرالية التي يناضل حزبنا من أجلها ليست مشروعًا لتفتيت وحدة الشعب أو إقامة كيانات منغلقة، بل صيغة ديمقراطية متقدمة لإعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس الإرادة الشعبية الحرة، والعدالة المجالية، والتوزيع العادل للثروة والسلطة، والاعتراف الفعلي بالتعدد التاريخي والثقافي واللغوي للمغرب، وفي مقدمته المكون الأمازيغي إلى جانب المكونات العربية والإفريقية والمتوسطية لشخصية شعبنا” . وهو ما يبرر ويعني لدى الحزب، مهمة خلق كيانات جغرافية في إطار دولة فيدرالية.
يرى الحزب أن الشعب المغربي له شخصية متميزة عن غيره في الوطن العربي، بسبب التعدد التاريخي والثقافي واللغوي لمكوناته الاثنية، الأمازيغية أساسا تم العربي والافريقي والمتوسطي. و لا يعتبر المكون العربي هو الحاضنة/ La matrice، أو اللحمة الموحدة والجامعة لهذه المكونات تاريخيا. وكأن المجتمع المغربي عبارة عن قطع متلاصقة ومصفوفة/ Les puzzles. وبذلك يكرر ويجتر الحزب نفس خطأ الراحل السرفاتي في موضوعته المعروفة “الخصائص الاثنية والثقافية للشعب المغربي” بداية التسعينات من القرن الماضي من دون نقد وتقييم لهذه الموضوعة على ضوء معطيات الوقائع الجديدة.
الشعب المغربي كباقي الشعوب ليس أحادي التكوين، فهو متعدد التركيب، لكن هناك دوما مكون داخلي حاضن، لعب دورا تاريخيا في تعزيز وحدته في مواجهة الأخطار الخارجية المتصاعدة، متمثلة في الغزو “النصراني والصليبي” الاتي من الشمال والغرب في مرحلة الفيودالية (الاقطاعية)، وفي مرحلة التغلغل الاستعماري مع صعود الرأسمالية والاستعمار والامبريالية.
لقد شكل الدين العربي كمكون ثقافي قوي وحاسم وموحد (وقد ظل كذلك قبل بروز قوى الدين السياسي صنيعة الاستعمار والأنظمة)، مع وجود سلطة مركزية تمثل مصالح بيروقراطية عسكرية وتجارية ذات أصول قبلية، لها مصلحة في رد العدوان الخارجي والدفاع عن مصالح البلاد والشعب ممثلا في القبائل المسلحة. ولم يكن هذا الدين إلا عربيا ولم يكن أعجميا، ارتبط بالانتماء إلى قومية وحضارة عربية سابقة عليه ولم تكن عرقية. ضمت في أوجها وتوسعها عدة أعراق وإثنيات وقوميات شكلت قوتها وغناها.
كغيره من المجتمعات ما قبل الرأسمالية، فإن المستوى الديني-الثقافي لدى مكونات الشعب المغربي لعب دورا حاسما في تصليب وحدته لمواجهة الأخطار والحروب ضد العدوان الخارجي. أما المصالح المادية فهي الاسمنت التي شدت كيانه وارتباطه بالأرض/ الوطن مصدر الثروة.
إن سيرورة التحرر لها مسار تاريخي طويل، ظلت ترتفع جدوتها وتوحد القبائل المغربية وتنظم صفوفها إلى جانب السلطة المركزية ضد الحملات الصليبية على اليابسة وفي البحار طوال القرون الوسطى. تم انقلبت جل القبائل ضد السلطة المركزية بعد التحول الذي عرفته بنيتها الطبقية في أواخر القرن السادس عشر، ونشوء سلطة المخزن ممثلة في هرم الاستبداد والطغيان للسلطان وحاشيته وللقياد والأعيان، من أجل فرض نظام الجبايات الظالم/المخزن، على القبائل الثائرة؛ وذلك بسبب أفول دور الطرق التجارية الطويلة القادمة من جنوب المغرب، تم التطور الذي عرفته التجارة العالمية واكتشاف طرق تجارية جديدة، وتحول مراكز الثروة والقوة إلى أوربا المركنتيلية.
وظلت القبائل ثائرة ضد سلطة المخزن رافضة نظام الجباية ونهب ثمار وغلل الفلاحين وملكية الارض الجماعية للقبيلة. وابتداء من القرن التاسع عشر دخل النظام المخزني في أزمة مركبة توسعت وتعمقت إلى أزمة الشرعية، وبدأ يترنح أمام ضربات القبائل الثائرة ليسقط أخيرا في شراك الاستعمار الغربي متوسلا الحماية.
النتيجة الثانية: المفهوم المثالي للدولة المركزية الضاربة في عمق التاريخ المغربي
يزعم الحزب تشكل ثلاث كيانات جغرافية في المغرب تاريخيا ويطرحها كمسلمات لتتمتع بالحكم الذاتي. ويعتبر أن العامل الحاسم في تشكل الكيانات الجغرافية الثلاثة هي الدولة المركزية الطبقية الاستبدادية، سواء قبل تشكل سلطة المخزن أو بعد الاستعمار ونظام التبعية. فهو يعتبر تشكل الدولة الطبقية ضارب في التاريخ قبل إخضاع الاستعمار الغربي للمغرب.
منشأ هذا التصور كان في فكر القيادة البورجوازية للحركة الوطنية، التي تعتبر أن أساس وحدة الشعب المغربي والمجتمع ذي التركيبة القبلية فيما قبل الرأسمالية، هو الدولة الضاربة العمق في التاريخ. وهو تصور غارق في المثالية، يوهم أنه لولا وجود الدولة لانفرط عقد المجتمع المغربي إلى قبائل وإثنيات متناحرة، وأن الدولة تعد مكسبا تاريخي يجب تعزيزه والتحالف معه بغض النظر عن طبيعتها الطبقية وارتباطها العضوي بالاستعمار. هذا التصور تشارك في تبنيه أحزاب المعارضة الليبرالية التي تنشر ايديولوجية المراهنة على إصلاح الدولة التبعية اليوم وتقاسم السلطة مع الطبقة المسيطرة. ومنها حزب التحرر والاشتراكية (الحزب الشيوعي سابقا). وأرى أن حزب النهج لم يحدث قطيعة تامة مع هذا التصور. كما يلاحظ المفكر الماركسي نيكوس بولانتزاس، فالبورجوازية لا تستطيع أن تقطع السلم الذي على أساسه تصعد في المجتمع وتجني المنافع.
أعتقد أنه يجب التمييز بين الدولة والسلطة السياسية المركزية كشكل أولي. فالدولة كمؤسسة مركزية ومنبعا لكل السلط داخل تشكيلة اجتماعية محددة مرتبطة بالسيادة/ Souveraineté de l’Etat ، تم الاعتبار القانوني كممثل وحكم؛ وهذا المفهوم للدولة لم يظهر إلا في التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية وسيادة الملكية الخاصة لوسائل الانتاج وتبلور الطبقات. أما شكل الدولة في المجتمعات ما قبل الرأسمالية التي لم تعرف الاقطاع وتسيطر فيها الملكية الجماعية للأرض من طرف القبيلة/ Propriété collective، فهي سلطة مركزية لفئة / Caste البيروقراطية العسكرية والتجارية، ذات منشأ قبلي لها اعتبار ديني مقدس، وتلتقي مصالحها مع عامة الشعب المكون من القبائل. وتمثل الصالح العام/ L’intérêt général بمفهومنا الحديث، للشعب المرتبط بالأمة وهما قيدا التشكل والاندماج. ولعل أحسن من يعبر عن المنظور المثالي السائد للدولة ذات العمق التاريخي، هو الدكتور عبد الله العروي الذي أنهى مساره الفكري بدعوة المغرب عامة إلى الانعزال والعيش كأمة بعيدا عن محن المشرق وقضاياه.
إن أطروحة الراحل سمير أمين حول “نمط الإنتاج الخراجي” هي التي بلورت مفهوما مادي تاريخي للمجتمع والسلطة ما قبل الرأسمالي، وتحليل الدور الحاسم المادي والسياسي والتاريخي للتجارة الطويلة المدى والسيطرة على الطرق التجارية وتنظيمها وتأمينها وانتزاع الخراج كمصدر للثروة والسلطة السياسية من طرف القبيلة الحاكمة في المجتمعات ما قبل الرأسمالية. ولم تستطع هذه السلطة احتكار السلاح والفرسان وبناء جيش منظم وشبه محترف. لذلك فإن السيطرة على الطرق التجارية والخراج ظلت موضوع صراع ومنافسة مع القبائل القوية. وظلت القبيلة وحدة اجتماعية تتمتع بالقوة، وبالاستقلالية النسبية خاصة في البوادي الشاسعة، وفي تنظيم شؤونها الخاصة والحسم في خلافاتها على أساس المعتقد الديني والعرف القبلي. ويمكن القول إن تاريخ القبائل هو جزء الحضاري القوي في تاريخ المغرب السياسي والثقافي الشعبي المتعدد والغني. فلم يكن غريبا أن الاستعمار الفرنسي والاسباني واجها مقاومة شرسة ومتحدية في بلاد القبائل التي تمتعت بالاستقلال في إدارة شؤونها، عكس باقي البلاد التي كانت تخضع لسلطة المخزن المتحالف مع الاستعمار، التي سقطت بسرعة. لنا في ملاحم القادة محمد بن عبد الكريم في الشمال، ومحمد الهيبة ماء العينين في الجنوب، وموحى حمو الزياني في الوسط؛ معالم في النضال التحرري للشعب المغربي.التنمية
إن التحول الحاسم في تحول السلطة المركزية في المغرب إلى دولة طبقية كاملة/ Achevée، هو الاستعمار الرأسمالي، وتحول التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية إلى رأسمالية تبعية، وتبلور وسيطرة البورجوازية الكومبرادورية وحسم السلطة لمصلحتها بو سائل العنف والقهر. طبعا فإن هذا التحول استغرق طويلا، وقد تعمد بالمقاومة الشعبية وبالمجازر الرهيبة وبالخيانات والهزائم الكبيرة والخديعة.
كانت إحدى نتائجه المباشرة على المجتمع المغربي هو التخلف وإعاقة التنمية والتهميش وتفكيك روابط الشعب الثقافية التي تشده إلى أرضه ووطنه وقضايا أمته. ولم تنحصر هذه النتائج مناطقيا بسبب العرق أو الهوية. فالحرب الطبقية للنظام أكثر انسجاما وتنسيقا ومركزية، طالت وتطال كل الطبقات الشعبية العاملة والكادحة في القرى والجبال وداخل المدن والهوامش. ولا سبيل لمواجهتها وتفكيكها إلا ببناء جبهة لتحالف الطبقات الشعبية على أساس برنامج التحرر الوطني، وفك الارتباط بالتبعية والتنمية المتمحورة على الذات لردم الحفر ومخلفات التفاوت. هذا البرنامج لن يقوى على الصمود إلا إذا ارتبط بحركة التحرر العربية، وفي مقدمتها إعادة بناء مشروع وحدة المغرب العربي الكبير، فالأعداء يشكلون جبهة متراصة واحدة.
النتيجة الثالثة: مشروع فدرلة الدولة يتقاطع مع” الموجة الثالثة للقوميات”، أو ما يعرف بمخططات الهجوم الغربي لبلقنة بلدان الجنوب وخاصة في الوطن العربي.
الوعي التاريخي هو ساحة للصراع والأكثر جاذبية للاختراق وتزوير الوقائع وفبركة السرديات، لكن الخطر هو عندما تفتح الأبواب للفكر الاستشراقي الاستعماري وتحوله إلى سلطة معرفية لمؤسسات قوية وتمويل كبير في المتروبول، تم إلى أداة لحقنه في الوعي عند مثقفين من جلدة عربية، يرددون على طلابهم هذه السرديات كحقائق لا جدال فيها، تم يسقطونها على مجتمعاتهم دون وعي لمعناها ونتائجها.
مفهوم “الموجة الثالثة للقوميات” بلوره المفكر الماركسي د. عادل سمارة، للتمييز عن الموجة الثانية التحررية التي تعبر عن وعي الامة لذاتها ومصلحتها في التحرر والوحدة في بلدان الجنوب المستعمرة وشبه المستعمرة. وأيضا لتمييزها عن الموجة الأولى الاوربية بالخصوص، التي تعبر عن مصالح البورجوازية في وحدة السوق التي تعني وحدة الوطن في القرن التاسع عشر. وحققت لدول أوربا مستوى من التطور الاقتصادي والصناعي والزراعي والتكنولوجي متساو تقريبا. تم تحولت إلى صراع وحروب فيما بينها على الأسواق الخارجية في بلدان الجنوب، خصوصا خلال الازمات وفيض الإنتاج وتراجع معدلات الأرباح، مندفعة خارج أسواقها لنهب المواد الأولية وتسويق منتجاتها بالاستعمار، تم تصدير الرساميل وهي المرحلة الامبريالية. وتحولت إلى قوميات رجعية شوفينية واستعمارية.
أما الموجة الثالثة للقومية فيصفها د. عادل سمارة “بأنها تصنيع غربي امبريالي في حقبة العولمة، اتخذت شكلا تآمري خطير على وحدة الشعوب وسيادتها؛ وذلك بإحياء نزعات إثنية وطائفية ومذهبية أقل شأنا وحقيقة من كونها قومية”. بهدف خلق دويلات وكيانات صغيرة تابعة وضعيفة، تعتمد على حماية الغرب الاستعماري وتفتح أسواقها بالمطلق.
ويرى د. عادل سمارة أن الموجة الثالثة للقومية استهدفت أولا الدول التي لم تكن مستسلمة تماما للانخراط في السوق العالمية، أي سوق سيطرة الشركات الاحتكارية، مثل دول الاتحاد السوفياتي سابقا، يوغسلافيا، العراق، سوريا ليبيا، اليمن الجنوبي. ويلاحظ أن الكيان الصهيوني هو المثل الأعلى لهذه الكيانات الجديدة حيث تستخدم في العدوان ضد أي نظام تقدمي جار كثورة مضادة.
فهل بلدنا من المناعة والقوة حتى يصمد أمام رياح التفتيت؟ أم أن أصحاب الفدرلة يرون أن الشعب المغربي يشكل أمة لذاته ويرون فيه مشروع قطب يمكن أن يشكل سدا منيعا بعد تفكك الكتلة الاشتراكية وانتقال الرأسمالية إلى العولمة، وتحالف الدول الامبريالية هو أكثر انسجاما وعدوانية؟
لقد مهدت تنظيرا وخطابا لموجة القومية الثالثة، النيوليبرالية كتنظير فلسفي للعولمة، واشتغل في المتروبول على تغيير الدور الطبقي للعمل في مواجهة الرأسمال، عما يسمى بالمجتمع ما بعد الصناعي، وانتهاء دور الطبقة العاملة في الثورة. أما في الجنوب فقد اشتغلت النيوليبرالية على تجريد البلدان من مقومات السيادة المتبقية، وإحياء النزعات الهوياتية الاثنية والطائفية والمذهبية. وشكلت شرائح من البورجوازية العميلة والطابور السادس الثقافي وبعض «منظمات المجتمع المدني”، أدوات للتسويق والتنفيذ.
ملاحظة: البيان العام نشر يوم 15 في شهر غشت على جريدة الحزب “النهج الديمقراطي” الالكترونية https://annahjaddimocrati.org/ar/23651
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
