ملاحظة: قد تبدو الكتابة في المجتمع القروي أو بكلام المثقفين: “علم اجتماع الريف”، بل علم الإنسان/الأنثروبولوجيا وهو علم عنصري صاغه الغرب عن غير الغرب! ” الأمر لا يتوافق مع كاتب يكتب في الاقتصاد السياسي والتنمية والنظام الاقتصادي العالمي وفي الشيوعية والقومية وتحرر المرأة وبالطبع التبعية وأنظمة الرَيْع وقوى الدينسياسي…الخ. ولكنني وجدت أن الرسالة المكتملة هي التي تبدأ من التربة الأولى وصولا إلى النظام العالمي. صحيح أنه في البُنى الكبرى يكون قادة كبارا سواء في الثورة وحتى في الثورة المضادة ولكن في الوحدات الصغيرة تكون هناك ثعالب أي صورة قزمة عن القادة ويحلمون كما الثعلب بأفق الأسد فيختاروا أن يكونوا “حريم” السلطان، أي سلطان طريقا للظهور.
▪️▪️▪️
وُلدت في هذه القرية عام 1944، وليس هذا الحديث سيرة حياتي، فتلك ستصدر في لندن آمل قريبا. يشاهد الطفل في حياته أو يمر بمحطات فارقة لافتة. ويسمع عن بطولات كل حامولة أو عشيرة و”الطوشات” بين الحمايل والتي ينقلها جيل إلى جيل سواء ما حصل ويُدخله في طوشات جديدة الأمر الذي يؤصِّل في ذهن الطفل بأن العالم هو هذه القرية، وبأن كل قرية هي وحدة مجتمعية قائمة بذاتها ليس فقط كما يقول علم الاجتماع البرجوازي الغربي “القرية وحدة إنتاج قائمة بذاتها” بل حتى وحدة سكان وكأن القرية قوما آخرين متحوصلين على ذاتهم الأمر الذي يخلق أحلاماً ضيقة بمساحة القرية.
والأخطر أن حقدا يورثه جيل لجيل فتجد حتى الان كراهية كامنة من هذا لذاك لأن أجدادهما كانوا خصوما. وبالطبع هؤلاء لا يرون الاحتلال ابدا إلا حينما يقتحم بيوتهم أو يقفوا أمام حاجز عسكري صهيوني عليه جندي واحد فقط لساعات طوال، ثم ينسون ويعودون للتمتع بكراهية الحامولة الأخرى.
لذا تجد صورة في كل قرية عن القرى المحيطة بها من التشويه والتعالي ما يملأ غرور الطفل دون أن ينسى أن الحامولة الأخرى خصما وربما عدوا.
ذكَّرني هذا كتاب الكاتب المصري توفيق الحكيم “يوميات نائب في الأرياف”. طبعا الحكيم صبر على الثورة المصرية حتى رحل جمال عبد الناصر وكتب يهاجم الثورة وللأسف اختار الطريق التعيس، فمصر بعد الثورة أصبحت كجلد الثور هابطة بلا قدرة بعد أن كانت في قمة الدول ذات الموقف والوزن والدور.
لكن أكثر مشهد ظل في ذاكرتي وأقمت عليه قناعة قررت عدم نسيانها.
أذكر حينما كنت في العاشرة ذهبت مع المرحوم والدي إلى جلسة للحامولة في بيت أحد “الختيارية” ودار الحديث أن أحد المغتربين سيعود قريبا، وكان الدارج أن يقوم كل شخص في الحامولة بتهيئة عشاء للعائد ورجال الحامولة الكبار طبعا. حينها قال أحدهم متبرِّماً: “يا لطيف يعني رايح يدور له دور عشى/عشاء”. بعد أيام وصل الرجل وقام أقربائه بلف قماشا بزيت الزيتون وإشعالها مشاعل ابتهاجا بقدومه. وطبعاً بدأ دور العشاء. وقد لاحظت الفارق الطبقي في الحامولة، فالأكثر فقرا، كان دوره أن يحمل إبريق الماء والصابون ليصب على أيدي من أكلوا.
وحين وصل دور المتبرِّم وقال يا جماعة “بُكرى/غداً العشاء عندي.
قال له العائد: والله بلاش إنغلبك يا أبو فلان.
فرد ذلك الرجل متصنِّعاً الغضب: لا لا مش معقول يعني وهل زادي نجس!
فوجئت من هذا الكذب والنفاق. طبعا ربما كان الرجل ضيق الحال، ولكن لماذا يضغط على نفسه ويكذب.
من حينها حتى اليوم، لم أتناول الأكل في أي بيت مع انني كنت كلما خرجت من السجن في فترة حكم النظام الأردني ولاحقا الاحتلال وحتى حينه، بل وحتى في الأعراس والمآتم أدعي انني كنت جائعاً وأكلت قبل أن أحضر.
لم اسأل المرحوم والدي لماذا كان كلما حصل عرسا أو مأتما يطلب من المرحومة أمي أن تطبخ لنا لحما! وطبعا كان لديه قطيعين من الأغنام الماعز والضأن. هل كان يعرف ان بعض الأكل بلا نفس! بالمناسبة اشترى والدي بيتا قديما من أحد الجيران لتوسيع حظيرة الأغنام، ولهذا قصة تُظهر أن الأكثر ذهابا للمسجد والأكثر عملا في مواقع المستوطنات هم الأكثر جاهزية للتزييف وحتى سرقة حجارة بيتينا المنسوفين من الاحتلال وبيعها ونحن في السجن.
سُقت هذه الواقعة لأُبيِّن أن الثورة إن وُجدت كان يجب ان تغير في الثقافة والعلاقات الإنتاجية والإجتماعية والثقافية، وهذا لم يحصل وهذه لم تتغير رغم تكاثر من يحملون شهادات جامعية!.
من يتابع اليوم “المعارك” في مدن كالخليل، وعديد القرى في الضفة الغربية بين الحمايل والعائلات يرى بأن الثورة لم تمر من هنا. بل هناك من يدعو “زعران من قرية” للهجوم على خصومه في قريته ولولا بعض العقلاء لكانت معركة وضيعة وحقيرة. وفي هكذا ظرف لا تتمكن لا السلطة ولا الفصائل من ضبط الأمور، بل كثيرا ما تجد مناضلين قدامى يقودون الطوشات!
لقد قرأت كثيرا عن الثورة الجزائرية وخاصة كتابات الشهيد فرانز فانون، وكتبت عنه ورقتين قدمتهما في الجزائر 2011 في الذكرى الخمسين لاستشهاده و 2012 في الذكرى الخمسين لانتصار الثورة، وفي ادبياته يقول: “الشعوب المهزومة تصنع معارك داخلية صغيرة كي ينتصر بعضها على بعض فيعوِّض الهزيمة الكبرى”.
هامش: منذ 2012 لم أتمكن من السفر.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
