رد حزب النهج الديمقراطي العمالي في المغرب على مقال “حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي” بقلم سعيد كنيش
بقلم علي بلمزيان
عضو المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي في المغرب
ملاحظة من “كنعان”
وردنا هذا الرد من الرفيق علي بلمزيان، عضو المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي في المغرب، ردًا على مقال الرفيق سعيد كنيش بعنوان: “حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي”.
وكنا قد نشرنا خلال الأيام القليلة الماضية مقال الرفيق كنيش في ثلاث حلقات يستطيع القارئ أن يجدها على الروابط التالية في موقع “كنعان”:
الحلقة الأولى:
الحلقة الثانية:
الحلقة الثالثة:
▪️▪️▪️
من علي بلمزيان:
عضو المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي / المغرب
الهاتف: 0661619394
إلى السيد رئيس موقع كنعان المحترم،
تحية طيبة وبعد،
أتوجه إليكم بهذه الرسالة راجيا التفضل بالنظر في إمكانية نشر نص الرد الذي أعددته على المقال المنشور بموقعكم تحت عنوان: «المغرب العربي: حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي (الحلقة الأولى)»، بقلم سعيد كنيش.
وهو نص نقدي سجالي بعنوان: «حين يصبح إسقاط الانتماء العربي هو الماركسية الجديدة – تفكيك سجالي للحلقة الأولى من مقال سعيد كنيش»، حاولت من خلاله مناقشة أطروحات المقال ومساءلة بعض استنتاجاته، خصوصا ما يتعلق بقراءة البيان العام للنهج الديمقراطي العمالي، وموقع القضايا القومية والعربية في التحليل الماركسي، والعلاقة بين البعد الوطني والمغاربي والعربي والأممي، فضلا عن قضايا الطبقة والتحرر الوطني والاجتماعي ومقاومة الإمبريالية والصهيونية.
وأؤكد أن الغاية من إرسال النص ليست الدخول في سجال شخصي مع صاحب المقال، وإنما المساهمة في النقاش الفكري والسياسي الذي يفتحه موقع «كنعان»، والدفاع عن حق الاختلاف وتعدد الاجتهادات داخل اليسار، بما يسمح للقارئ بالاطلاع على وجهتي النظر ومقارنة الحجج والمواقف.
وأعتقد أن نشر الرد، إلى جانب المقال موضوع النقاش، ينسجم مع تقاليد المنابر الفكرية التي تتيح مساحة للرأي والرأي الآخر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا فكرية وسياسية تهم مستقبل اليسار ومسألة التحرر الوطني والاجتماعي في المغرب والمنطقة.
لذلك، أرجو منكم التفضل بنشر النص إذا رأيتم أنه يستجيب للمعايير التحريرية والفكرية المعتمدة لديكم.
وتفضلوا، السيد المدير، بقبول خالص التقدير والاحترام.
مع تحياتي
– الرد رفقته
▪️▪️▪️
حين يصبح إسقاط الانتماء العربي هو الماركسية الجديدة:
تفكيك سجالي للحلقة الأولى من مقال سعيد كنيش
منذ السطور الأولى، يقدم سعيد كنيش مقاله الموسم ب ” حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي ” والمنشور في مجلة كنعان بتاريخ:4 شتنبر 2026 باعتباره تمرينا في «النقد الماركسي» من موقع «طبقي وقومي منحاز»، وكأن إعلان الانحياز يمنح صاحبه تلقائيا حصانة من مساءلة منطقه وحججه. لا أحد يعترض على حق أي مناضل في اتخاذ موقع طبقي أو قومي، ولا على حقه في نقد حزب النهج الديمقراطي العمالي ومؤتمره وبيانه العام. بل إن النهج، بما هو حزب ماركسي مناضل، لا يخشى النقد ولا يعتبر نفسه فوق المساءلة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول صاحب النقد من مناقشة ما قاله الحزب إلى تحديد ما كان ينبغي أن يقوله، ثم يجعل من النموذج الذي يحمله في رأسه مقياسا وحيدا للحقيقة الماركسية.
وهنا ينبغي منذ البداية قلب السؤال: هل كنيش بصدد نقد بيان حزب النهج الديمقراطي العمالي، أم بصدد كتابة بيان سياسي بديل يريد إلزام النهج به؟ لأن القراءة المتأنية للحلقة الأولى توحي بأن المسألة أقرب إلى الثانية. فالرجل يدخل إلى النص وفي يده نتيجة جاهزة: الانتماء العربي هو نقطة الارتكاز الرئيسية، ومن لم يجعلها كذلك يكون قد أسقطها، ومن أسقطها يكون قد أخل بمنهجه، ومن أخل بمنهجه يصبح مطلوبا تفسير دوافعه ونتائجه. وهكذا تكتمل الدائرة قبل أن يبدأ البرهان.
يقول كنيش إن «البيان هو تصريح مكثف لجميع المواقف والقضايا والأوراق التي اشتغل عليها المؤتمر». وهذه أول قفزة تحتاج إلى مراجعة. البيان السياسي ليس محضرا للمؤتمر، ولا فهرسا للمقررات، ولا نسخة مصغرة من كل الأوراق، ولا دفترا لتسجيل كل المفاهيم التي جرى تداولها. البيان وثيقة سياسية تركيبية، وظيفتها الأساسية تحديد الاتجاه العام، وترتيب الأولويات، وتقديم قراءة سياسية للمرحلة، وتحديد المهام. ولذلك فإن غياب مفهوم معين أو عدم منحه المساحة التي يريدها الناقد لا يعني تلقائيا أنه «أسقط» من الوعي السياسي للحزب.
بل إن كنيش نفسه يكتب أن «الممارسة الحزبية وخوض الصراع السياسي والفكري والتنظيمي على أرض الواقع هما الفيصل». جميل جدا. لكن لماذا لا يطبق هذه القاعدة على نفسه؟ إذا كانت الممارسة هي الفيصل، فليأتنا الكاتب بما يثبت أن النهج الديمقراطي العمالي تخلى في ممارسته عن القضايا العربية أو الفلسطينية أو مناهضة الإمبريالية أو التضامن مع الشعوب. أما أن يحاكم حزبا بكامله على أساس أن كلمة معينة لم تأت في الموضع الذي يريده، فهذا ليس الاحتكام إلى الواقع، بل الاحتكام إلى قاموس المصطلحات.
ثم ينتقل كنيش إلى القول بوجود «انعدام الانسجام حد التناقض» بين مقررات المؤتمر. وهذه عبارة ثقيلة جدا، لكنها في هذه الحلقة تظل بلا حمولة برهانية توازي ثقلها. أين التناقض تحديدا؟ أي مقرر يناقض أي مقرر؟ ما الأطروحتان اللتان يستحيل الجمع بينهما؟ وأين النصوص التي تثبت ذلك؟ لا يكفي أن نقول إن «الخيط النظري الناظم» غائب ثم نطالب القارئ بتصديق التشخيص. في النقد الماركسي لا تكفي الأحكام العامة؛ المطلوب تفكيك العلاقات والتناقضات وتقديم الدليل.
وإذا كان الكاتب يرى أن الأزمة التنظيمية وجمود بعض الفروع ونقص الأطر أثرت في الحصيلة الفكرية، فليثبت العلاقة بدل الاكتفاء بالإيحاء. الأزمة التنظيمية ليست جهاز كشف للأخطاء النظرية، ونقص الأطر لا يثبت تلقائيا ضعف المقررات، كما أن اختلافك مع الخط السياسي لا يسمح لك بتحويله إلى دليل على أزمة تنظيمية. هذا النوع من التفسير يحتاج إلى معطيات، لا إلى الانطباع.
لكننا نصل إلى جوهر القضية عندما يعلن كنيش أن التحليل الماركسي ينبغي أن يتعامل مع العالم كوحدة، ثم يقدم «ثلاثة محددات». لا خلاف على ضرورة النظر إلى الرأسمالية باعتبارها نظاما عالميا. ولا خلاف على أهمية قانون التطور غير المتكافئ. ولا خلاف على مركزية علاقات التبعية والإمبريالية في فهم تاريخ بلدان الجنوب. لكن المشكلة أن الكاتب ينتقل من هذه المقدمات الصحيحة في عمومها إلى استنتاجات يريد تقديمها باعتبارها النتيجة الوحيدة الممكنة. وهنا يتحول المنهج من أداة لتحليل الواقع إلى قالب يجبر الواقع على الدخول فيه.
نعم، الرأسمالية عالمية. نعم، الإمبريالية هي أعلى مراحل تطور الرأسمالية وفق التراث الماركسي الكلاسيكي. نعم، الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل كان منظومة للنهب وإعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع بما يخدم رأس المال. لكن هل يعني هذا أن كل صراع سياسي يمكن اختزاله في مركز إمبريالي ومحيط تابع؟ وهل تختفي الطبقات داخل المحيط؟ وهل تختفي التناقضات بين العمال والبرجوازية؟ وهل تصبح الأنظمة المحلية مجرد أدوات بلا مصالحها الخاصة؟
بالطبع لا.
وهنا يسقط البناء الذي يحاول كنيش تشييده عندما يجعل التقابل بين «المركز» و«المحيط» مفتاحا يفتح كل الأبواب. الماركسية لا تقول لنا إن الجغرافيا تحل محل الطبقة. الدولة الواقعة في الجنوب ليست طبقة اجتماعية، والشعب ليس كتلة سياسية متجانسة، والبرجوازية المحلية ليست مجرد تفصيل جغرافي، كما أن الطبقة العاملة في بلد إمبريالي لا تتحول تلقائيا إلى عدو لمجرد أنها تعيش داخل حدود دولة إمبريالية.
أما الحديث عن «فائض القيمة التاريخي» المنهوب من المستعمرات، فلا مشكلة في دراسة الاستعمار بوصفه أحد مصادر التراكم الرأسمالي العالمي. المشكلة هي تحويل هذه الأطروحة إلى تفسير أحادي للتطور الرأسمالي الأوروبي. التاريخ أكثر تعقيدا من أن يختصر في نهب المستعمرات، كما أن التراكم الرأسمالي نتاج علاقات إنتاج وصراع طبقي وتطور تقني وتحولات في الملكية والأسواق والدولة والاستعمار والتجارة العالمية، وكلها مترابطة. ومن يريد أن يقدم مفهوما باعتباره مفتاحا لتفسير خمسة قرون من التاريخ الرأسمالي مطالب بتقديم أكثر من الإحالة إلى مفكر أو مفهوم.
ثم يصل الكاتب إلى عبارته الأكثر مركزية: «الوطن العربي وشعوبه العربية المضطهدة يشكل وحدة ونقطة الارتكاز الرئيسية وموضوع التحليل والهدف المطلوب إنجازه». هنا بالضبط ينبغي أن يتوقف النقاش طويلا.
لماذا ينبغي أن يكون الفضاء العربي نقطة الارتكاز الرئيسية؟
ليس السؤال هل نحن مع التضامن بين شعوب المنطقة. نعم.
هل فلسطين قضية وطنية؟ نعم.
هل التكامل بين بلدان المغرب العربي والمغاربية مصلحة تقدمية؟ نعم.
هل الإمبريالية والصهيونية والرجعيات والاستبداد عوامل أساسية في تاريخ المنطقة؟ نعم.
لكن من هذه الحقائق لا تنتج النتيجة التي يريد كنيش فرضها: أن الانتماء القومي العربي يجب أن يكون نقطة الارتكاز الأولى للتحليل الماركسي في المغرب.
هذه ليست نتيجة ماركسية، بل اختيار سياسي وفكري قابل للنقاش.
والأخطر أن الكاتب يتعامل معها وكأنها بديهية لا تحتاج إلى إثبات. ثم إذا لم يتبنها بيان النهج بالطريقة نفسها، يصبح البيان متهما بـ«الإسقاط الاختياري». لا يا رفيق. غياب المصطلح ليس دليلا على إسقاط القضية، وعدم جعل قضية ما في مركز البيان لا يعني التخلي عنها. الأولوية السياسية ليست هي الحضور المعجمي.
ثم إن المغرب ليس ورقة بيضاء يمكن كتابة هوية واحدة عليها ثم اعتبار كل شيء قد فسر. المغرب بلد مغاربي، إفريقي، متوسطي، أمازيغي وعربي في تاريخه وثقافته، ويعيش داخل شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية المعقدة. والنهج الديمقراطي العمالي لا يحتاج إلى إنكار أي مستوى من هذه المستويات حتى يثبت انتماءه العربي، ولا يحتاج إلى تحويل الهوية إلى معركة داخل اليسار.
إن قوة اليسار ليست في أن يرفع راية هوية واحدة أعلى من كل الهويات، بل في قدرته على تركيب هذه المستويات ضمن مشروع تحرري. نحن مغاربة لأننا نناضل في المغرب، ومغاربيون لأن مصير شعوب المنطقة مترابط، وعرب لأننا جزء من فضاء عربي تاريخي وثقافي وسياسي، وأمميون لأن نضالنا ضد الرأسمالية والاستغلال لا يتوقف عند الحدود. هذه ليست تناقضات؛ بل مستويات متكاملة.
أما أن يقال إن الانتماء العربي هو الذي يحدد الخندق، فهنا يصبح الأمر أكثر خطورة. الخندق الذي ينتمي إليه النهج الديمقراطي العمالي هو خندق الطبقات الشعبية، خندق العمال والفلاحين والكادحين والمهمشين، خندق الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية، خندق مقاومة الإمبريالية والصهيونية، وخندق التضامن مع الشعوب في نضالاتها من أجل التحرر. أما البعد العربي فهو أحد أبعاد هذا الانتماء، وليس بديلا عنه.
وهذا التمييز أساسي. لأن القومية، مهما كان شكلها، لا تلغي الصراع الطبقي. فالبرجوازي العربي والعامل العربي ينتميان إلى فضاء لغوي وثقافي واحد، لكنهما لا يملكان المصلحة الطبقية نفسها. والسلطة العربية ليست هي الشعب العربي، والدولة العربية ليست هي الأمة العربية، والنظام الذي يرفع شعار السيادة قد يكون في الوقت نفسه مستغلا لشعبه وقامعا لحرياته. لذلك لا يمكن لليسار أن يذيب التناقض الطبقي داخل شعار قومي عام.
وهنا تبرز قيمة خطاب النهج الديمقراطي العمالي: التحرر الوطني لا ينفصل عن التحرر الاجتماعي، والتحرر الاجتماعي لا ينفصل عن الديمقراطية، والديمقراطية لا تنفصل عن السيادة الشعبية، والسيادة الوطنية لا تنفصل عن مقاومة الإمبريالية والتبعية. هذه هي الجدلية التي ينبغي أن تحكم خطاب اليسار، لا ترتيب الهويات في سلم ثابت.
وإذا كان كنيش يدافع عن مشروع التقارب بين شعوب المنطقة، فليكن النقاش حول مضمونه. نحن لا نريد تقاربا بين الأنظمة، وإنما بين الشعوب. لا نريد تنسيقا بين الأجهزة، وإنما تلاقيا في المصالح. لا نريد صيغة فوقية تذيب الاختلاف، وإنما إطارا ديمقراطيا يحترم التعدد. لا نريد قومية تستعملها السلطة لإسكات الطبقات الشعبية، وإنما مشروعا تحرريا يجعل العمال والفلاحين والشباب والنساء والمثقفين جزءا من صناعة القرار.
بهذا المعنى، يمكن للنهج أن يطور خطابه العربي والمغاربي دون أن يسقط في القومية الاختزالية. يمكنه أن يدافع عن بناء فضاء مغاربي ديمقراطي متكامل، وعن تعاون اقتصادي وشعبي بين بلدان المنطقة، وعن فتح الحدود أمام الشعوب، وعن مقاومة التبعية، وعن دعم الشعب الفلسطيني، وعن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن بناء أممية تتجاوز الحدود.
وهذا أقوى بكثير من مجرد القول إن «الوطن العربي هو نقطة الارتكاز».
ثم إن الكاتب حين يجعل الانتماء العربي نقطة ارتكاز، يتجاهل سؤالا لا يمكن للقومية أن تهرب منه: ماذا عن المكونات غير العربية؟ وهل يكون المشروع الجامع ديمقراطيا إذا لم يضمن المساواة الكاملة لكل المكونات الثقافية واللغوية؟ وإذا كان الفضاء العربي «هوية جامعة لكل المكونات الأصيلة»، فكيف نفهم هذا الجمع؟ وهل التقارب يعني ذوبان الاختلاف أم الاعتراف به؟ وهل يمكن بناء مشروع اشتراكي ديمقراطي على هوية تقدم بوصفها إطارا فوق باقي التعبيرات الثقافية؟
النهج الديمقراطي العمالي، من موقعه اليساري، يستطيع أن يتقدم هنا خطوة أبعد: التقارب الذي نريده لا يقوم على محو التعدد، وإنما على المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى الاعتراف بكل مكونات المجتمع، وعلى رفض كل أشكال الشوفينية والتمييز والإقصاء. وهذه ليست تنازلات عن الانتماء العربي، بل حماية لأي مشروع تحرري من التحول إلى أداة هيمنة.
أما عبارة «التحالف الثلاثي» بين الإمبريالية والصهيونية والرجعيات العربية، فهي تحتاج أيضا إلى إعادة بناء. فالإمبريالية ليست كتلة واحدة، والأنظمة العربية ليست كتلة واحدة، والصراعات الدولية والإقليمية لا تتحرك وفق خريطة ثابتة. واليسار الذي يريد أن يكون جديًا لا يستبدل تحليل المصالح المادية بشعارات جاهزة، بل يدرس كل دولة وكل نظام وكل تحالف وكل صراع في شروطه الملموسة.
هذه هي المادية التاريخية التي نحتاجها: لا تقديس الخرائط، ولا تقديس المصطلحات، ولا تحويل المفاهيم إلى أصنام.
وعندما يقول كنيش إن «الوطن العربي» هو موضوع التحليل والهدف المطلوب إنجازه، يمكن الرد عليه بأن موضوع التحليل الأول بالنسبة لحزب مغربي هو المجتمع المغربي نفسه، بكل تناقضاته الطبقية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ضمن محيطه المغاربي الامازيغي والعربي والإفريقي والدولي. فالنهج لا يستطيع تغيير العالم العربي من دون أن يمتلك جذورا عميقة في النضال الشعبي المغربي. ولا يمكن لأي مشروع إقليمي أن يصبح واقعا إذا لم يبدأ من بناء القوى الشعبية في كل بلد.
إن المشاريع الكبرى لا تصنعها البيانات، بل موازين القوى.
والمصالح المشتركة لا تتحول إلى واقع بالشعارات، بل بالمؤسسات والنضالات.
والتحرر لا يتحقق بتكرار كلمة بعينها، بل ببناء قوة اجتماعية قادرة على انتزاعه.
وهنا بالضبط ينبغي أن نختلف مع كنيش: لا نحتاج إلى استيراد مركز ارتكاز أيديولوجي جاهز حتى نثبت انتماء النهج أو وطنيته أو أمميته. نحن بحاجة إلى بناء مشروع يساري مغربي يربط التحرر الوطني بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويضع المغرب في عمقه المغاربي والعربي والإفريقي، ويفتحه على الأممية العمالية.
لذلك فإن السؤال الذي طرحه الكاتب: «كيف تم هذا الإسقاط الاختياري؟ وما هي دوافعه ونتائجه؟» يبدو سابقا لأوانه. قبل البحث عن الدوافع، أثبت الإسقاط. وقبل الحديث عن النتائج، أثبت أن الغياب يعني التخلي. وقبل اتهام البيان بتجاوز الانتماء العربي، قدم تعريفا دقيقا للمفهوم الذي تريد جعله معيارا. وقبل إعلان أن الماركسية تفرضه، قدم البرهان على أن هذا الاختيار ناتج عن المنهج الماركسي لا عن اجتهاد قومي خاص.
وإلا فإن المسألة تصبح معكوسة: نحن أمام موقف سياسي يريد أن يتنكر في هيئة قانون ماركسي.
والنهج الديمقراطي العمالي ليس مطالبا بالاعتذار لأنه لم يكتب البيان وفق قاموس أحد. إنه مطالب بشيء آخر: أن يطور خطابه، وأن يوسع تحليله، وأن يربط الوطني بالمغاربي والعربي والأممي، وأن يجعل فلسطين في قلب النضال ضد الإمبريالية والصهيونية، وأن يدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأن يواجه التبعية والاستغلال والاستبداد، وأن يبني تضامن النضالات الشعبية على قاعدة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
هذه هي المعركة التي تستحق أن نخوضها.
أما تحويل اليسار إلى لجنة امتحان في «الانتماء الصحيح»، فليس هو الطريق إلى بناء الحزب الثوري ولا إلى بناء الجبهة الشعبية.
والأخطر أن هذا النوع من النقد قد ينتهي، من حيث لا يريد صاحبه، إلى نقل مركز الصراع من الواقع إلى اللغة: هل قال الحزب المصطلح؟ هل قال «الأمة العربية»؟ هل وضعها في الفقرة الأولى أم الثانية؟ هل جعلها الدائرة الأولى أم الثانية؟ بينما السؤال الذي يطرحه المجتمع على اليسار أكثر قسوة بكثير: أين هو الحزب في النضالات؟ أين العمال؟ أين الفلاحون؟ أين الشباب؟ أين النساء؟ أين المقاومة الاجتماعية للاستغلال؟ أين القدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية وتنظيمية؟
فالنهج الديمقراطي العمالي لن يقاس بعدد المرات التي يذكر فيها مصطلحا بعينه في بياناته، وإنما بقدرته على بناء بديل سياسي وطني ديمقراطي شعبي، وعلى ربط النضال الديمقراطي بالنضال الاجتماعي، وعلى مواجهة الرأسمالية التابعة، وعلى مقاومة الإمبريالية والصهيونية، وعلى المساهمة في بناء جبهة شعبية قادرة على تغيير ميزان القوى.
ومن هنا، فإن الرد على كنيش ليس رفضا للانتماء العربي، بل رفض لتحويله إلى مقصلة أيديولوجية تقطع بها الطريق على تعدد الاجتهادات داخل اليسار. نحن مع فلسطين، مع شعوب المنطقة، مع التقارب بين الشعوب المغاربية والعالم العربي ، مع حق كل شعب في تقرير مصيره، ومع مقاومة الإمبريالية والصهيونية، لكننا في الوقت نفسه مع الصراع الطبقي، ومع الديمقراطية، ومع الحريات، ومع المساواة، ومع الاعتراف بالتعدد، ومع الأممية العمالية.
نريد انتماء عربيا تحرريا لا معياريا، وتقاربا بين الشعوب لا بين الأنظمة، وموقفا قوميا ديمقراطيا لا فوق طبقيا، وتحررا وطنيا يقود إلى التحرر الاجتماعي لا إلى إعادة إنتاج سلطة جديدة باسم الأمة.
وبهذا المعنى، فإن الحلقة الأولى من مقال كنيش لم تنجح، حتى الآن، في إثبات أن النهج الديمقراطي العمالي «أسقط العروبة». لقد نجحت فقط في إثبات أن صاحبها يريد أن يجعل من الانتماء العربي مركزا لنموذجه التحليلي. وهذا حقه الكامل. لكن حقه في اختيار هذا المركز لا يمنحه حق تحويله إلى قانون ماركسي عام، ولا إلى معيار وحيد لقياس يسارية الآخرين.
ويبقى انتظار الحلقة الثانية مشروعا ومفيدا، لا لأننا ننتظر «كشف الحقيقة» التي حسمت مسبقا، وإنما لنرى هل سيقدم الكاتب هذه المرة الأدلة التي تثبت فرضيته، أم سيواصل بناء القضية بالطريقة نفسها: مقدمة قومية، ثم حكم ماركسي، ثم نتيجة محسومة سلفا.
فاليسار لا يخاف من النقد، لكنه أيضا لا يقبل أن يحاكم بقواعد يضعها ناقده ثم يسميها ” قوانين المنهج”.
وفي انتظار الحلقة الثانية، يبقى الدرس الأهم: لا تجعلوا الانتماء القومي بديلا عن الطبقة، ولا القومية بديلا عن الديمقراطية، ولا الشعارات الوحدوية بديلا عن التحرر الاجتماعي. فالطريق إلى التحرر يمر عبر الشعب، ومنظماته، ونضالاته، ووعيه الطبقي، وتضامنه الديمقراطي، وتكامل نضالاته، وتضامنه الأممي. وهذه، قبل أي شعار آخر، هي البوصلة التي ينبغي أن يهتدي بها حزب النهج الديمقراطي العمالي.
في: 06 شتنبر 2026
علي بلمزيان: عضو المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمال
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
