ملاحظة من “كنعان”
- نشرنا مقال الرفيق كنيش المعنون: “حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي”، في ثلاث حلقات يستطيع القارئ أن يجدها في موقع “كنعان” (بتاريخ 4 و6 سبتمبر 2026)
- ثم نشرنا بتاريخ 7 سبتمبر 2026 رد الرفيق علي بلمزيان، عضو المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي في المغرب، ردً على مقال الرفيق سعيد كنيش.
- واليوم ننشر متابعة لنقد الرفيق سعيد كنيش تحت عنوان: “مواصلة نقد التصورات الفكرية والسياسية لحزب النهج الديمقراطي العمالي”.
▪️▪️▪️
أخذت بعض الوقت في مواصلة نشر نقد التصورات الفكرية والسياسية لحزب النهج الصادرة بعد انعقاد مؤتمره الوطني السادس؛ حتى تعدي أيام “لعبة الانتخابات” في المغرب. لقد تم الاعداد والإخراج الدعائي لاستخراج “حدث سياسي” هو بكل الملامح مسخ، لحشد وخطف وعي جمهور ألف التخدير والقبول بوضعية المفعول به .
لنذهب مباشرة إلى صلب الموضوع،
أعتقد أن “التمرين على النقد” لا يسمح بمساحة ولو صغيرة للمراوغة في تناول القضايا الرئيسية موضوع النقد، كي لا يتحول إلى ممارسة شكلية أو تبرير لواقع.
أما سلاح النقد الماركسي فهو مطالب أكثر بالحفر والبحث عن جدور الانحرافات في موضوع نقده، تم طرح وتحليل القضايا الجوهرية في الصراع مع العدو الطبقي والقومي، بالوضوح المطلوب في كل مرحلة، وتحديد الموقف الثوري، والاستعداد للاشتباك والانتصار في سبيله.
بالتأكيد فإن تغييب سلاح النقد الماركسي في الساحة المغربية، سمح بالصعود إلى السطح لغة الشعارات والجمل الثورية وتعبئة الجمهور حولها. وأصبحت هي الحاضرة في خوض الصراع للتغطية على التساقط وفقدان المواقع الشعبية، وعلى حالة التحلل التنظيمي، والغموض الفكري والسياسي الذي يخيم على عقول رفاق البيان العام لحزب النهج. في مرحلة الهزائم والتراجعات التي طال أمدها. وأن الطبقات الشعبية المغربية لم تخرج من مرحلة التراجع، وتنخرط في تنظيم صفوفها للدفاع وصد الحرب الطبقية التي تشنها الطبقة المسيطرة وجهازها السلطوي، وإعادة بناء منظمات وأدوات النضال الطبقي الشعبي التي تم تخريبها.
أيضا لن يجدي سجال المراوحة بين موقف “نعم ولكن لا”، أو الركون لمحاولات التوفيق الشكلي، بين ما هو طبقي/ وطني/ وقومي؛ للتعويض عن سلاح النقد، للمساهمة في تأسيس مشروع تحرري وحدوي بأفق اشتراكي، كشرط للمساهمة في بناء إطار أممي للتضامن بين الشعوب؟
لقد سبق في مقالي النقدي التأكيد بتركيز على ما يلي:
“أن جوهر الصراع والمنطلق المركزي الذي تتفرع منه مجمل القضايا بالنسبة للماركسيين العرب، هو الوطن العربي وشعوبه العربية المضطهدة، الذي يشكل وحدة ونقطة الارتكاز الرئيسية وموضوع التحليل والهدف المطلوب إنجازه في هذه الحقبة من المواجهة التاريخية مع الامبريالية والصهيونية والرجعيات العربية. وليس المغرب وحده، كبلد منعزل عن محيطه العربي القومي؛ وذلك من أجل استنهاض وبناء وحدة حركات التحرر الوطني العربية وصولا إلى الدولة العربية المركزية أو الفيدرالية بأفق اشتراكي.
مع التأكيد على أن مشروع العروبة كوحدة ونقطة الارتكاز يعتبر هوية جامعة لكل المكونات الأصيلة، وهو من يضمن تطورها الديمقراطي الطبيعي في مواجهة العدو المشترك، حتى لا تسقط في شراك مخططاته. ولا يعني مسلسل البناء الوحدوي القفز فوق حالة الانقسام والتفاوتات الموضوعية والتاريخية بين الأقطار العربية، وعوامل التفتيت داخل كل بلد، والأزمات الخاصة والداخلية…إلخ”.
كما أن بناء مشروع العروبة يعتبر نقيضا لأنظمة البورجوازية التابعة والعميلة، ولن ينتصر إلا باقتلاعها كعدو طبقي وقومي مباشر، وأداة في خدمة تحالف الهيمنة الإمبريالي والصهيوني الذي يشكل العدو الرئيسي، منذ سايكس بيكو الأول في المشرق العربي إلى سايكس بيكو الثاني في المغرب العربي، إلى “مخطط التطبيع الابراهيمي” الزاحف في المرحلة الراهنة.
لم تتم مناقشة ونقد وجهة نظري المركزة كما وردت أعلاه، في تحديد جوهر الصراع، ونقد الأرضية التي يدور حولها، وطبيعة القوى المتناقضة، والتحالفات الموضوعية والممكنة، وقوى الثورة المضادة، والارتباط الجدلي بين الوطني والقومي، ومشروع البديل القابل للإنجاز على صعيد المغرب العربي والوطن العربي الكبير. وقضية التحرر الوطني المرتبط بالتحرر العربي وصولا إلى الدولة العربية المركزية أو الفيدرالية بأفق اشتراكي.
لقد ظل مقال “السجال التفكيكي” عنوان الرد على مقالي، يتراوح” بين نعم ولكن لا”، ومحاولة التوفيق الشكلي بين مستويات الصراع الوطني/ القومي/ والاممي؛ وتم اختزال النقد الموجه لبيان الحزب وحصره في مستوى الصيغ المستعملة، والاحتساب الكمي لمصطلح العروبة، وهو أمر بالغ السخافة. وتم اعتبار أن الانتماء للعروبة ليس مقياسا للحكم على ماركسية الخط الفكري والسياسي لحزب النهج. وكأن الماركسية تعني شيء آخر غير الانتصار للقضايا العادلة والانحياز للقوى الاجتماعية المحركة لتقدم التاريخ، وهي بكل جدارة حق الأمة العربية في الوحدة والتحرر والتنمية والسيادة. ليس استرجاعا لماضي وإنما مشروعا للمستقبل هو الوحيد القابل للحياة.
نقد بيان حزب النهج محوره، هو نقد مشروع يدعي إعادة بناء وحدة الشعب المغربي على أساس دولة الفدرلة بمبرر تفكيك دولة المخزن المركزية ومواجهة النظام. وتوضيح لماذا أسقط البيان العام من تحليله واستنتاجاته، واقع إعادة سيطرة المركز الامبريالي على مجمل الوطن العربي في العقود الاخيرة، وادماج الكيان الصهيوني ادماجا مهيمنا، خصوصا بعد إسقاط الجمهوريات العربية تباعا. تم تقديم الأسباب الفكرية والسياسية كخلفية لإسقاط الحزب لمشروع العروبة التحرري ومتطلباته والتزاماته وطنيا وعربيا وأمميا.
فهل تناول بيان النهج هذه التطورات النوعية وحدد بالاستنتاج المهام المركزية المطلوبة؟ خاصة وأن العدوان الصهيو أمريكي على الشعوب العربية، متواصل وهي مفككة الاوصال في المقاومة والمجابهة، مخترقة من الطائفي والمذهبي والشوفيني. تفتقد إلى الحد الأدنى من التنسيق والتضامن. و على النقيض فإن قوى العدوان تتحرك وهي موحدة التحالف والاستهداف بالتقسيم، لنهب وإهدار الثروة القومية، وتعميق التخلف والتبعية، ومنع التنمية، ورفع معدلات المديونية والبطالة والتهميش والمرض والأمية والهجرة، وتهبيط معدلات الحياة والتمدرس والتكوين العلمي والمهني.. إلخ.
راهنا فإن مخطط الاستهداف هو إعادة الاحتلال و تجزئة الوطن العربي، التي تقوم في أغلبها بعزل الطوائف والإثنيات، في منعزلات جغرافية خاصة بكل منها، معادية كل منها للأخرى، مستقوية بالسيد الإمبريالي.
البديل عن الاسقاط الاختياري للحزب، أنه يعتبر الشعب المغربي يشكل أمة لذاته. وبنى تصوره الفكري والسياسي وبرنامجه وتحالفاته، وأفق تفكيره على هذا الافتراض المثالي والانعزالي معا. ويعتقد أن رفع “الشعارات الثورية” يجدي عن عدم تحديد كيفية تحويلها إلى قوة مجتمعية وطنيا وقوميا.
لقد تأكد بالملموس ومن خلال الوقائع الأليمة لهزائم تجارب بلدان حركات التحرر الوطني و البناء الاشتراكي في عصر الامبريالية المعولمة -وهي من أهم الأسباب ولا أقول الوحيدة – أن الأقطار الصغيرة لا تصنع أو تحافظ على استقلال حقيقي، الذي لا يعني فقط السياسي وإنما الاقتصادي الذي يقوى السياسي ويدعمه . ولا يمكن أن تبني لوحدها تنمية متمحورة على الذات، أو أرضية لصناعة حديثة، أو فك ارتباط مع الرأسمالية الاحتكارية وأسواقها. فما بالك بالتحويل الاشتراكي ومتطلباته. فالتاريخ الحديث يعلمنا حجم الاستهداف العدواني من طرف القوى الامبريالية، الذي تعرضت له بلدان الجنوب التي اتجهت لبناء الاشتراكية. وأن من أسباب صمودها هو تماسكها ووحدتها القومية وحجم توسع مجالها الإقليمي.
إن المشروع العروبي الوحدوي بأفق اشتراكي، هو القادر على تحقيق هذه الأهداف، و القادر على فرز قوة اجتماعية ثورية برؤيا تاريخية ومستقبلية لحماية هذا المشروع وتحويله إلى واقع ممكن (نستطيع تسميتها كثلة تاريخية بالمفهوم الغرامشي ).
مشروع يستند على دروس وأخطاء الأقطار العربية وطبيعتها الطبقية البورجوازية وتجاوزها، تلك التي شهدت محاولات الاستقلال والتنمية و أسقطت بهزيمة يونيو 1967 ، وتلتها تصفية الجمهوريات العربية وجيوشها بعد حرب أكتوبر 1973.
لهذه الأسباب جاء نقدي للبيان العام وبرنامجه وأوراق المؤتمر الوطني السادس لحزب النهج الديمقراطي العمالي، نقدا من خارجه تصوراته ودون تقاطع معه. لذلك أكرر قولي أن نقدي منحاز لموقع طبقي وقومي ولمشروع بديل.
لا أقدم مشروعا مستجلبا، فالمغرب العربي أو الجناح الغربي للوطن العربي الواحد، هو التعريف الذي كرسه القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي وأعطاه مضمونا تحرريا ووحدوي، بعد لجوئه إلى القاهرة – عاصمة العروبة آنذاك – بفترة قصيرة عائدا من منفاه سنة 1947؛ وذلك من خلال إعلانه عن مشروع سياسي مقاوم عبرت عنه وثيقة ميثاق التأسيس “للجنة تحرير المغرب العربي”(صدر ميثاق التأسيس في القاهرة بتاريخ 1948/01/05، ونشر أول مرة بجريدة الاهرام المصرية في عددها الصادر بتاريخ 1948/01/06 (وردت الوثيقة في مجلد “محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال أفريقيا: 1920- 1963، وثائق ومذكرات” ) المجلد من إصدار د. حسن محمد حسن البدوي. دار ماهي للنشر والتوزيع- مصر)
وإلى اليوم ظل منتسبو الأيديولوجيا الشوفينية العنصرية يشوهون ويبترون عن قصد المسار النضالي للقائد محمد بن عبد الكريم الخطابي، خاصة مساره العروبي الوحدوي وايمانه بوحدة قضايا الشعوب العربية ومركزيتها القضية الفلسطينية، ويروجون لسردية مزورة من تاريخه ويقدمونه كزعيم قبيلة في الريف شمال المغرب.
قوى الدين السياسي يضمرون له العداء في سريرتهم لأنه يرعبهم خاصة وهو يجمع في شخصه المعنى الحقيقي للدين العربي التحرري المنفتح على قضايا العصر. فهم بطبيعتهم يتنكرون لكل إشراقة في تاريخ النضال التحرري للشعوب العربية، ويعادون نهضة الشعوب العربية والقبض على مصيرها لتحرير الأوطان ووحدتها من قيود الاستعمار بكل أشكاله.
أما مكونات اليسار الجديد فقد ابتليت عند النشأة، بآفة القطيعة مع المقاومة في نضال الشعب المغربي واستيعابها بشكل خلاق، تعتقد أنها المنطلق ، تم انكفأت على ابتلاع كراريس الماركسية الوافدة من الخارج، وحكمت على نفسها بالعزلة، وكأن الفكر التحرري العربي بلا تاريخ.
حول المصلحة المادية للطبقات الشعبية العربية
القومية العربية حقيقة تاريخية موجودة قبل الاستعمار الغربي المباشر، وهي تعبير عن وعي الأمة لوجودها، وتفعيل لعوامل وحدتها، بما هي العامل التاريخي الحضاري والجغرافي والثقافي والاقتصادي والنفسي.. الخ. وهي عوامل كلاسيكية.
إن وعي الامة لذاتها الوطني والقومي بالشكل الحديث، سيبد أ بالتشكل ابتداء من القرن التاسع عشر. الذي شهد بداية أفول الاحتلال التركي باسم الخلافة، الذي دام أكثر من أربعة قرون من الانحطاط وساهم في إضعاف المجتمعات العربية. تم تعمق وعي الامة القومي بالتزامن مع بداية الاحتكاك ومواجهة حملات الاستعمار الرأسمالي الغربي العسكرية ( منذ حملة نابليون على مصر1798 ، وغزو واحتلال بلدان المغرب العربي منذ 1832 ، تم الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية والخليج). وتواصل مع نهوض حركة التحرر الوطني العربية بعد النكبة واحتلال فلسطين وهزيمة 1948.
فالعروبة ظلت في صلب الصراع الطبقي ونقيضا للرأسمالية مولدة الاستعمار، سواء في مرحلتها الامبريالية أو المعولمة. فقد شكل الوطن العربي بمكوناته القومية والاثنية والثقافية والدينية واللغوية، وامتداده الجغرافي وتواصله التاريخي، المنطقة الأشد استهدافا في العصر الحديث، مقارنة مع مختلف بلدان العالم التي تعرضت للاستعمار والامبريالية. لأسباب معروفة أهمها أن الغرب الامبريالي لم يسمح في السابق أو الحاضر بتشكل قوة قومية – إقليمية، لها كل مقومات النهوض والتحرر والوحدة والتنمية، وتوجد على مرمى حجر من حدوده. تم سعيه الحثيث لتطبيق القاعدة الخبيثة فرق تسيطر.
لكن العوامل الكلاسيكية ليست كافية وحاسمة في استنهاض الطبقات الشعبية وفتح الطريق لبناء مشروعها التحرري الوحدوي.
فلا بد من وجود المصلحة المادية لدى الطبقات الشعبية العربية في التحرر والوحدة والتنمية وصولا إلى الاشتراكية وتشبعها وعيا وممارسة بهذه المصلحة. وهي مصلحة الأغلبية وبالتالي فهي ديمقراطية مبنى ومعنى. ولا بد أيضا من وجود التعبير السياسي والفكري والتنظيمي المركزي متمثلا في الحزب الثوري والجبهة الشعبية، المعبران عن التحالف الطبقي والقومي لتجسيد هذه المصلحة المادية والطبقية ذات الأغلبية الشعبية، حتى تتحول إلى قوة مادية.
ولا بد من بلورة هذه المصلحة المادية في برامج نضالية وتنظيمية ملموسة، تربط الوطني بالقومي، والمباشر بالمرحلي والبعيد.
يجب هنا التأكيد لرفع كل لبس، على أن الأنظمة العربية الحاكمة بطبيعتها الطبقية الكمبرادورية والطفيلية، المرتبطة بالمصالح بالامبريالية وشركاتها وأسواقها الاحتكارية، لا تخدم مصالح الأغلبية من الشعوب العربية ولا تشكل قوة جذب لها. فالتبعية تعني إهدار الثروة واستنزافها، وتمنع أي تراكم داخلي بالانفتاح والخضوع لإملاءات الخارج، وضد التصنيع والاقتصاد الإنتاجي الذي يحقق معدلات تشغيل وطبقة عاملة عالية القوة، ومستوى حياتي مناسب للمواطن العربي، وضد أي تكامل اقتصادي بين الأسواق العربية ، وتكرس التخلف العلمي والثقافي والتهميش والبطالة والهجرة بين الشباب . وتحكم على الأغلبية من النساء بالانسحاق الطبقي والجنسي. لذلك فهي معادية للمصلحة المادية للأغلبية من الشعوب العربية. وفوق هذا هي معادية للسيادة وتبيع الأوطان في كل منعطف لضمان بقائها الفيزيائي.
ما هو موقع حزب النهج من خلال مشروعه؟
المتابع لمسيرة حزب النهج السياسية سوف تترسخ في ذاكرته أن المؤتمر السادس هو من تزحلق لأول مرة إلى الإعلان عن بناء دولة الفدرلة الوطنية الديمقراطية الشعبية، كخيار لإعادة بناء وحدة الشعب المغربي. ثم يزعم أن هناك ثلاثة أقاليم جغرافية في المغرب يجب أن تتشكل فيها سلطة لحكم ذاتي (وإلا ما معنى الفدرلة) مؤجلة لما بعد التحرر كما يسميه. رغم أن تحديد وتبني “المهام المركزية ” بشكل عام، يشرع في التأسيس لها وتوفير الشروط خصوصا الذاتية من الراهن؛ وإلا تحولت إلى شعارات فارغة. لذلك اعتبرتها في الحين قفزة في الفراغ.
بالرجوع للبيان العام أو الكراس المخصص لأوراق المؤتمر، يقدم الحزب مسوغاته في تبني الفدرلة كالتالي:
يعتبر الحزب ان الفوارق المجالية هي امتداد للفوارق الطبقية، وهذا صحيح لأن جوهر الرأسمالية التبعية وتوسعها، هو تعميق لهذه الفوارق خدمة للرأسمال الاحتكاري الامبريالي وتابعه وللأسواق الخارجية، وهو نقيض للتنمية الحقيقية. وبتعبير العالم الماركسي أندري كندر فرانك إنها ” تنمية التخلف”. لكن أن يتم ربط هذا التخلف المجالي لأسباب “إثنو ثقافية تاريخية”، فهذا انحراف وتساقط. تكرس الوعي المقلوب، بأن هناك اضطهاد إثني سياسي بسبب اللغة أو العرق، تشكل تاريخيا وتعمق في حقبة الاستعمار وتوطد في مرحلة الاستعمار الجديد. فتاريخ الغزو والتوسع والاستغلال في المغرب تحت أي مسمى، هو من أجل المصالح المادية سواء كانت الأرض وباطنها، أو المراعي أو المياه أو الممرات التجارية، أو الاستحواذ على الخراج والضرائب. وهو شأن تاريخ سائر المجتمعات الطبقية. ولم يشهد المغرب غزوا أو حربا على قبائل أو تجمعات سكانية بسبب لغتها أو عرقها. بخلاف الاستعمار الاوربي الغربي والصهيوني.
هذا التصور تم وضعه من طرف الراحل ابراهام السرفاتي تحت تأثير “الماركسية التقاطعية” بعد انتصار الرأسمال على العمل وهزائم حركات التحرر الوطنية في العالم التي سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي، ومهدت لبداية العولمة الرأسمالية، لينتشر ويصبح له دعاة من النخب المحلية.
فالتطور التاريخي المغربي يؤكد أن المحرك الضاغط/Le moteur compresseur للرأسمالية التبعية وسلطتها، يطحن في طريقه جميع الطبقات الشعبية بدون استثناء، ويولد الحفر والنتوءات والتشوهات المجالية داخل المدن و القرى والمداشر.. إلخ
والأخطر أنه أصبح يولد ويعمق “الوعي المقلوب” لدى العامة بأن السبب، يكمن في الانتماء اللغوي أو الاثني أو العرقي أو المذهبي أو القبلي. وأن التشبث بالقبيلة والجهة والطائفة والعشيرة، هو الخلاص بسبب انسداد البديل التحرري الوحدوي. هذا الوعي الزائف توسع انطلاقا من خلفيات سياسية وحزبية وجمعيات رجعية، ذات تمويل مشبوه. تم أصبح مدعاة للركوب من طرف نخب مثقفة ونشطاء واعلاميين، وبواسطة أنشطة وتظاهرات ثقافية وسياسية شوفينية.
أما اليوم فإن الطابور السادس أصبح يحلق بعيدا في السماء بعد اختراق الصهيوني، رسميا للوعي الشعبي المغربي، (للأسف يقع من داخل المناطق الجغرافية التي يعتبرها حزب النهج مناطق ستكون معدة للفدرلة )، وأصبح يشكل امتدادا للثورة المضادة.
ومن موقع طبقي/ قومي منحاز أقول: كمكون أصيل لشعبنا نعم لفتح كل آفاق التطور اللغوي والثقافي الامازيغي الشعبي التحرري، والبداية تكون. كتابتها وتدريسها بالحرف العربي كما كانت على الأقل بعد ترجمة القرآن الكريم للأمازيغية على يد المهدي بن تومرت الموحدي. مما سيشكل جسر العبور بينهما، والربط مع أختها اللغة والثقافة العربية. وضد “حرف تافينغ” الذي تم إخراجه من علبة باريس. وضد كل تقسيم جغرافي على أساس إثني ولغوي مزعوم.
استرجاع دور الطبقات الشعبية
وجود المصلحة المادية للطبقات الشعبية في تبني مشروع الوحدة العربية التحرري ، يشترط لتأسيسه و يحمل في صلبه، تحليل كيفية استرجاع دور الطبقات الشعبية رجالا ونساء (العمال والفلاحون المعدمون والفقراء، وجماهير الاحياء الشعبية الفقيرة والمهمشة والمعطلة، و فئة الصناع والحرفيين، والشباب والطلبة، والموظفون الصغار والمتوسطين والمهنيين والفنيين..) الذين يشكلون الأغلبية في المجتمع؛ لتكون فاعلة ورافضة لما هو قائم، وبالتالي متجهة لتخليص حقوقها، وأهمها السلطة السياسية في المجتمع حيث تشكل أغلبيته. لذلك فإن بناء المشروع التحرري يسير بترابط جدلي مع استرجاع دور الطبقات الشعبية.
ارتباطا مع هذا الشرط:لا بد من تعرية ونقد طبيعة قوى الثورة المضادة وأدواتها، وتعرية الأدوار التي تلعبها في استثمار الهزائم والخذلان، اللذان تجرعتهما الطبقات الشعبية العربية ومنها المغربية، خاصة بعد هزيمة يونيو 67. ودورها في تعميق حالة الاستصغار واستدخال الهزيمة والكفر بكل ما هو عروبي، الذي سقطت في براثنه الطبقات الشعبية العربية اجتماعيا وفكريا وسياسيا. أعني بالتحديد:
أولا: قوى الدين السياسي أكثر من غيرها أرخت بظلامها على المنطقة العربية. وهي القوى التي تأتي بعد الأنظمة الرجعية والتبعية في العداء للتحرر والوحدة. والكفر بوجود قومية وأمة عربية، وشرعية طموحها في التحرر والوحدة. وذلك في عصر انتصار الدولة القومية الموسعة، والتكتلات الجهوية الكبرى. تم لدورها في تفتيت وحدة الطبقات الشعبية بتكريس المذهبية والطائفية الخبيثة، وتخريب أدوات النضال الشعبي من نقابات وهيئات أهلية مدنية وجمعيات المرأة والشباب المستقلة. وعداؤها لتحرر ومساواة المرأة، ولفصل الدين عن الدولة والسياسة، وتفريخ قوى الإرهاب العابرة للحدود، وتجعل من الشباب العربي حطبا لحرائقها، لخدمة مخططات التقسيم الصهيو أمريكية، وتنفيذ مخططات الاستعمار الجديد في العالم العربي كقطع غيار جاهزة للاستعمال مقابل المال والسلطة.
أليس بالأمر المثير أن البيان العام وباقي أوراق المؤتمر الوطني السادس لم يطرحا دور هذه القوى في المجتمع المغربي بالتحليل الملموس، وكيفية التصدي لها سياسيا وفكريا وشعبيا؟ فأين غاب التحليل الماركسي للتناقضات في المجتمع المغربي والعربي؟ أم أن في الأمر شيء من حتى، بسبب علاقة التنسيق مع “جماعة العدل والإحسان” (الأكثر تأثيرا من بين قوى الدين السياسي)، وحالة التودد في العلاقات الراهنة بين الحزب والجماعة. والخلط في العلاقة بين قوى اسلام سياسي وطنية ومقاومة يجب إخضاع العلاقة معها دوما للنقد. والموقف من قوى الدين السياسية المعادية للتحرر الوطني والقومي التي تشكل قوى الثورة المضادة. لقد اكتفى الحزب بتقديم صيغ عامة حول الدين السياسي والايمان الشعبي وفصل الدين عن السياسة وتبني الدولة العلمانية.
كيف للحزب التغاضي عن أدوار قوى الدين السياسي في الحراكات الشعبية طوال العشرية الأخيرة، ووأد مطالبها المشروعة، وتمرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر ليبرالية وفتكا بحياة الطبقات الشعبية. ودورها التخريبي للوحدة النضالية للنقابات في المعارك الحاسمة، تم وقوفها بالمرصاد في كل تحركات النساء للتحرر والمساواة.
ثانيا: “الجمعيات المدنية” ذات التمويل والارتباط بالأجنبي، الممولة والخاضعة لأجنداته. وبالخصوص الأوربي والامريكي والصهيوني والخليجي. وهو تمويل سياسي بامتياز ومعولم، ولا أحد يعرف حجمه وكيف يصرف ومعايير الاختيار، فكل شيء يتم في السرية. التمويل الأجنبي في ذاته أمر خطير خصوصا إذا كان يستهدف تدمير المجتمع ولا سيما الثقافة والهوية بواسطة “نشطاء” محليين تحولوا إلى عملاء للأجنبي الذي يدفع. هذا الأجنبي هو العدو الرأسمالي والصهيوني وذيولهما الخليجية، وليس الثوري لأنه فقير أصلا ومحاصر.
والسؤال الذي ينبغي طرحه دوما، كيف لأنظمة رأسمالية استعمارية واستيطانية ظلت تقوم بنهب بلدان الجنوب ولا زالت، تقوم بمساعدة شعوبها الفقيرة على التنمية و الخروج من التخلف؟
لقد حققت هذه المنظمات نجاحا كبيرا في اختراق مجتمعنا المتزامن مع اختلال في ميزان القوى، وعدم إدراكنا الجيد والذي جاء متأخرا لخطورة أدوارها:
- في تفكيك المقاومة الشعبية الذاتية وتمييع النضال الملتزم الذي يحرف النضال الشعبي،
- في تفريخ عملاء محليين أصبحوا يتبوؤون أدوارا سياسية وثقافية ومجتمعية، كخبراء ونشطاء وفاعلين ومتعاونين وهم في الحقيقة طابور سادس جديد.
- في التمويه والتغطية على دور مراكز القوة الامبريالية والصهيونية من خلال وساطة المنظمات غير الحكومية، أو من خلال حكومات البلدان الإسكندنافية أو تلك الصغيرة التي ليس لها تاريخ استعماري إجرامي.
الجمعيات ومراكز البحث ذات الارتباط بالتمويل الأجنبي/ العدو، انتشرت في المجتمع كالفطر بداية التسعينات مع انتهاء الحرب الباردة وبداية الحروب الساخنة بالتوازي مع استراتيجية الحكومات الغربية والشركات الاحتكارية، في تبني خيار الاحتواء والهيمنة الناعمة بالاختراق من الداخل المجتمعي. ويتم بوساطة المنظمات غير الحكومية/ONG، وهي الواجهة في سياسة الاختراق والاحتواء لإخفاء الوجه البشع والقاتل للإمبريالية والصهيونية.
أصبح الخطاب المعتمد هو تقديم الدعم والتعاون للتنمية” مباشرة لجمعيات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث، عوض الدول المتهمة فجأة بالفساد. وهي من ظلت تدعمها وتحميها وتتستر عليها وتسمح لها بتبييض الأموال المنهوبة في بنوكها، وشراء العقارات الفاخرة والمضاربة في بورصاتها.
هذه الجمعيات متعددة التمويل من العدو الأجنبي، ومتعددة الارتباط بقوى الدين السياسي، وأحزاب رجعية ودوائر حكومية وشبكات للتطبيع الصهيوني، ومتعددة الاهداف تنموية وللعمل الخيري ، ولحقوق الانسان وللهجرة، ومراكز أبحاث خاصة وأكاديمية يقومون بأبحاث مدفوعة الاجر تخدم أجندة الممولين.
يحمل حزب النهج بين صفوفه وفي علاقاته وتحالفاته تأثير “الجمعيات المدنية” ذات التمويل والارتباط بالأجنبي، خاصة تلك التي ارتبط بها مباشرة منذ النشأة، وشكلت رافدا من مناضليه ومناصريه، دون تحديد مسافة نقدية في علاقته بها. وهي ذات طبيعة حقوقية وتنموية وثقافية ونسوية، انعكست على فكره السياسي وممارساته من خلال تبني مفاهيم ليبرالية وتقليعات فكرية غربية مناقضة للماركسية والفكر التحرري العربي وللثقافة الشعبية المقاومة.
وبدون تمييز بينها وبين الجمعيات الشعبية المستقلة كالأحزاب والنقابات واتحادات الشبيبة والمرأة والطلاب والتعاونيات .. إلخ، تلك التي نشأت من صلب المجتمع، عضويتها محلية وتمويلها محلي وتأسيسها محلي، وتقوم أنشطتها على أساس تطوعي كواجب نضالي مجتمعي أو سياسي وطني وقومي.
انتهى بتاريخ 25/09/2026
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
